وجاء التصعيد بعد إعلان الحوثيين فرض ما وصفوه بـ”الحظر البحري” على الموانئ السعودية، في خطوة اعتبرت تحولاً جديداً في مسار المواجهة، مع انتقال الضغوط من مضيق هرمز إلى باب المندب، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لتجارة النفط العالمية.
وتشير التطورات إلى أن الأزمة بدأت تتفاقم عقب استهداف مطار صنعاء الدولي قبل أسابيع، بعد قرار الحوثيين إعادة فتحه أمام الرحلات الجوية المباشرة القادمة من إيران، وهي خطوة أثارت مخاوف من تعميق التعاون بين الجانبين.
وأدى الهجوم على المطار إلى تصعيد متبادل، إذ أعلن الحوثيون لاحقاً إطلاق صواريخ باتجاه مدينتي جازان وينبع السعوديتين، إلى جانب الإعلان عن استهداف ناقلات نفط في البحر الأحمر، بينما أقرت السلطات السعودية بوقوع هجوم على إحدى السفن.
ويأتي ذلك في وقت حولت فيه السعودية أكثر من 70 في المئة من صادراتها النفطية من مضيق هرمز إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، سعياً إلى تقليل الاعتماد على الممرات البحرية التي شهدت اضطرابات متكررة خلال الأشهر الماضية.
وأصبح هذا التحول يضع باب المندب في قلب معادلة أمن الطاقة، بعدما تحول إلى المنفذ الرئيسي المتبقي أمام الصادرات النفطية السعودية في ظل استمرار التوترات في الخليج.
ويعد باب المندب أحد أهم الممرات البحرية العالمية، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وكانت تمر عبره قبل الاضطرابات الأخيرة نحو 12 في المئة من تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم، إضافة إلى نحو 8 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
ورغم تراجع حركة الملاحة التجارية عبر الممر خلال الفترة الماضية، فإن عدداً من ناقلات النفط المتجهة إلى الأسواق الآسيوية لا يزال يعبر المضيق، الأمر الذي يجعل أي تصعيد إضافي مصدر قلق لأسواق الطاقة العالمية.
ويرى مراقبون أن التهديدات الأخيرة لا تستهدف بالضرورة إغلاق باب المندب بشكل كامل، وإنما تهدف إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على السعودية ورفع كلفة استمرار المواجهة، من خلال تهديد أحد أهم مسارات تصدير النفط.
ويضع هذا الواقع الرياض أمام خيارات أكثر تعقيداً، بعد أن أصبحت مسارات التصدير البديلة معرضة بدورها لمخاطر أمنية، في وقت تحاول فيه المملكة الحفاظ على استقرار صادراتها النفطية وتجنب اتساع رقعة المواجهة العسكرية.
كما قد يفرض استمرار التوتر أعباء إضافية على حركة تجارة النفط العالمية، إذ قد تضطر بعض الشحنات إلى اتباع طرق أطول وأكثر تكلفة عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط ثم الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح للوصول إلى الأسواق الآسيوية.
وتأتي هذه التطورات في ظل هشاشة التفاهمات السابقة المتعلقة بخفض التصعيد، بعد انهيار وقف إطلاق النار الذي استمر ستين يوماً، وتجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وما تبعها من تصعيد في عدد من ساحات المنطقة.
وأدى استئناف العمليات العسكرية إلى تغيير موازين الضغط الإقليمي، مع انتقال التركيز من مضيق هرمز إلى باب المندب، وهو ما منح الحوثيين قدرة أكبر على التأثير في أمن الملاحة وخطوط إمدادات الطاقة.
ويرى محللون أن الجماعة باتت تمتلك ورقة ضغط إضافية على كل من الولايات المتحدة والسعودية، من خلال قدرتها على تهديد حركة السفن في البحر الأحمر دون الحاجة إلى إغلاق الممر بصورة كاملة.
وفي المقابل، تحاول السعودية تجنب الانخراط المباشر في مواجهة أوسع، مع استمرار تأكيدها على تفضيل الحلول السياسية، إلا أن استمرار الهجمات قد يزيد الضغوط لاتخاذ خطوات عسكرية لحماية منشآت الطاقة وخطوط الملاحة.
وتشير التقديرات إلى أن أي تصعيد جديد في باب المندب سيضاعف المخاطر على أسواق النفط العالمية، خاصة إذا تزامن مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، بما يضع اثنين من أهم ممرات تصدير النفط في العالم تحت ضغط متزامن.
كما يرى مراقبون أن التجارب السابقة أظهرت صعوبة حسم المواجهة عسكرياً مع الحوثيين، في ظل استمرار قدراتهم على تنفيذ هجمات ضد أهداف بحرية وبرية، الأمر الذي يجعل الحلول السياسية والدبلوماسية عاملاً أساسياً لتجنب اتساع دائرة الصراع.
ويعزز هذا المشهد المخاوف من دخول المنطقة مرحلة جديدة تتداخل فيها الأزمات البحرية مع الصراعات الإقليمية، بما قد ينعكس على أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة الدولية، ويزيد من التحديات التي تواجه الدول المنتجة والمستهلكة للنفط على حد سواء.