ففي أعماق المياه الممتدة بين إيران وسلطنة عُمان تمرّ كابلات الألياف الضوئية التي تنقل جزءاً كبيراً من حركة البيانات الدولية، ما يجعل أي تصعيد عسكري أو أمني في المنطقة قادراً على التأثير ليس فقط في أسواق الطاقة، بل أيضاً في خدمات الإنترنت والحوسبة السحابية والأنظمة المالية العالمية.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الخليج، تتزايد المخاوف من هشاشة هذه البنية التحتية الحساسة، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصاد الرقمي العالمي على مسارات بحرية محدودة ومركزة جغرافياً. وفي هذا السياق، يحذر خبراء وتقارير أوروبية من أن أي اضطراب واسع في مضيق هرمز قد يؤدي إلى تباطؤ كبير في تدفق البيانات، وارتفاع زمن الاستجابة، وتعطّل جزئي للخدمات الرقمية العابرة للقارات.
وذكر المنسق العلمي لمرصد البحر المتوسط، التابع لمعهد القديس بيوس الخامس للدراسات السياسية في روما، فرنشيسكو أنغيلوني، أن ما يجري في مضيق هرمز يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة الممرات المائية الاستراتيجية. فحتى الآن، كان هرمز يمثل عنق زجاجة محورياً للطاقة، إذ يمر عبره نحو خمس النفط العالمي. وأضاف أنغيلوني، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الأزمة الراهنة تظهر أن هذه المنطقة ذاتها تعد أيضاً مركزاً بالغ الأهمية للبنية التحتية الرقمية العالمية، إذ تعبر أو تحاذي عدة كابلات ألياف ضوئية هذه المنطقة، رابطة الخليج بالهند وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا وأوروبا".
ورأى أنه "إذا لحق أي ضرر بهذه الكابلات، حتى لو كان عرضياً نتيجة حرب بحرية تشمل مسيرات وألغاماً وحصاراً جزئياً، فلن تكون العواقب كارثية بمعنى انقطاع الإنترنت، لكنها قد تؤدي إلى تدهور الخدمات الأساسية، مثل المدفوعات الرقمية والأنظمة المصرفية والتجارة والحوسبة السحابية والاتصالات الحكومية. وفي هذا السياق، ستكون دول الخليج، التي استثمرت بكثافة في التمويل الرقمي ومراكز البيانات، الأكثر عرضة للخطر". وشدد على أن "ما يجعل المخاطر أشد وطأة هو الإطار السياسي، إذ أدى فشل المفاوضات الأميركية الإيرانية إلى تصلب المواقف كافة. فنحن أمام خلافات عميقة تتعلق بالملف النووي والعقوبات والسيطرة على مضيق هرمز والضمانات الأمنية ودور إسرائيل". وأشار إلى "رفض إيران المطالب الأميركية الخاصة بتجميد تخصيب اليورانيوم، والتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب، وفرض قيود على المنشآت النووية، باعتبارها استسلاماً غير مقبول".
وختم المحلل الإيطالي بقوله: "في ظل هذه الأجواء، بدأت وسائل إعلام مقربة من الحرس الثوري الإيراني تطرح أفكاراً تتعلق بفرض تعرفات أو رقابة إيرانية على الكابلات المارة عبر المنطقة، في إشارة إلى أن طهران باتت تعتبر البنية التحتية الرقمية جزءاً من أدوات الردع الاستراتيجي لديها".
الكابلات البحرية بخطر: خوف على البيانات العالمية بسبب حرب السفن:
وفي السياق ذاته، ذكر رئيس المكتب الفني لوكيل الوزارة برئاسة مجلس الوزراء الإيطالي المختص بالابتكار التكنولوجي والتحول الرقمي، سيرافينو سورينتي، في تحليل نشرته صحيفة "أجندة ديجيتالي" الإيطالية الأسبوع الماضي بعنوان "مضيق هرمز: تهديد الكابلات البحرية الذي يربك الإنترنت"، أن الأزمة المتفاقمة في مضيق هرمز لم تعد تقتصر على كونها أزمة طاقة أو تهديداً لتدفقات النفط العالمية، بل تحولت إلى تهديد مباشر للبنية التحتية الرقمية العالمية، في ظل مرور جزء كبير من حركة البيانات الدولية عبر كابلات الألياف الضوئية الممددة في قاع البحر بين إيران وسلطنة عُمان.
وأضاف سورينتي، الذي يشغل أيضاً عضوية دائمة في دائرة الأمن السيبراني، التابعة لرئيس الوزراء الإيطالي، أن مضيق هرمز بات يمثل نقطة اختناق رقمية حقيقية، لأن الكابلات البحرية التي تمر عبره تشكل العمود الفقري للإنترنت العالمي، موضحاً أن أكثر من 90% من حركة البيانات الدولية تنتقل عبر الكابلات البحرية، وليس عبر الأقمار الاصطناعية، كما يعتقد كثيرون. ورأى أن أي اضطراب واسع في هذه المنطقة لن يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار الطاقة، بل قد يتسبب أيضاً في تدهور ملحوظ بخدمات الإنترنت والحوسبة السحابية والأنظمة المالية العالمية. وأوضح سورينتي أن المنطقة تضم عدداً من أهم شبكات الكابلات البحرية في العالم، من بينها SEA-ME-WE 3 و4 و5، وFLAG Europe Asia، وFALCON، وAAE-1، وEurope India Gateway، وهي شبكات تربط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا بمراكز البيانات العالمية.
لكنه أشار إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في عدد الكابلات، بل في التركيز الجغرافي الخطير لهذه الشبكات، إذ تمرّ مسارات عديدة منها في نقاط متقاربة داخل الإمارات وسلطنة عُمان، ما يجعل أي حادث أمني أو عسكري أو تخريبي قادراً على إحداث تأثيرات متزامنة في عدة شبكات في آن واحد. وأضاف أن هذا التركز يقلل فعلياً من قيمة الازدواجية التقنية التي يفترض أن يوفرها تعدد الكابلات.
وأشار الخبير الإيطالي إلى أن الاعتماد العالمي المتزايد على الحوسبة السحابية (Cloud Computing) ضاعف من خطورة هذا النوع من التهديدات، لأن الخدمات الرقمية لم تعد محلية، بل موزعة على مراكز بيانات عالمية تحتاج إلى اتصال دائم ومستقر عبر القارات. وقال إن أي خلل في العمود الفقري للشبكات قد يؤدي إلى اضطراب عمليات نسخ البيانات، وتباطؤ التطبيقات الرقمية والخدمات المالية، بل وحتى تعطل جزئي للمنصات الإلكترونية الكبرى.
بعد تخريب "نورد ستريم".. ماذا تعرف عن مخاطر كابلات وأنابيب البحر؟
ولفت إلى أن المؤسسات لم تعد تعتمد فقط على بنيتها الداخلية، بل على أنظمة مترابطة عالمياً، ما يعني أن المخاطر أصبحت نظامية وعابرة للحدود. وفي ما يتعلق بالأقمار الاصطناعية، شدد سورّينتي على أن شبكات الاتصالات الفضائية لا تستطيع، رغم التطورات الكبيرة، أن تحل محل الكابلات البحرية. وأوضح أن الأقمار الاصطناعية تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الأقمار الجيوستيشينارية (GEO) على ارتفاع نحو 36 ألف كيلومتر، وأقمار المدار المتوسط (MEO)، وأقمار المدار المنخفض (LEO) التي تمثل الجيل الأحدث من شبكات الاتصال الفضائي. وذكر أن شركات مثل "سبيس إكس"، عبر مشروع "ستارلينك"، و"أمازون" عبر مشروع "كويبر"، و"وان ويب"، تعمل على تطوير هذه الشبكات لتعزيز مرونة الاتصالات العالمية.
واستدرك أنه، رغم ذلك، فإن الأقمار الاصطناعية، حتى الأكثر تطوراً منها، لا تستطيع استيعاب الأحجام الهائلة من البيانات التي تنقلها الكابلات البحرية. وأشار إلى أن كابلاً بحرياً واحداً يمكنه نقل تيرابايتات من البيانات في الثانية الواحدة، وهو ما يتجاوز بكثير قدرة الأنظمة الفضائية الحالية، فضلاً عن أن الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية يعاني من سعة أقل وكلفة أعلى وزمن استجابة (Latency) أكبر مقارنة بالألياف الضوئية. واعتبر أن دور الأقمار الاصطناعية يظل تكميلياً لتوفير المرونة والاتصالات الاحتياطية، وليس بديلاً حقيقياً للبنية التحتية البحرية.
وحذّر سورينتي من أن الكابلات البحرية أصبحت جزءاً أساسياً من الحروب الهجينة والصراعات الجيوسياسية الحديثة، موضحاً أن مجرد التلويح بإمكانية استهداف هذه البنية التحتية قد يتحول إلى أداة ضغط استراتيجية. وأضاف أن هذه الكابلات صعبة المراقبة والحماية، كما أن إصلاحها يحتاج إلى وقت طويل، ما يجعلها نقطة ضعف شديدة الحساسية في الاقتصاد الرقمي العالمي. ولفت إلى أن أي انقطاع واسع في مضيق هرمز لن يؤدي إلى إطفاء الإنترنت بالكامل، لكنه سيتسبب في تباطؤ كبير بحركة البيانات، وارتفاع زمن الاستجابة، وازدحام الشبكات، الأمر الذي سيؤثر بشكل خاص في الأنظمة المالية العالمية ومنصات الحوسبة السحابية والخدمات الرقمية الحساسة.
وأكد المسؤول الإيطالي أن الأزمة الحالية كشفت أن الأمن الرقمي العالمي بات مرتبطاً بشكل وثيق بأمن الممرات البحرية والبنية التحتية تحت الماء، معتبراً أن التحدي الحقيقي لم يعد استبدال الكابلات بالأقمار الاصطناعية، بل بناء منظومة متكاملة وأكثر صلابة تجمع بين الشبكات الأرضية والبحرية والفضائية. وختم بقوله إن سطح الهجوم على البنية التحتية الرقمية لم يعد يقتصر على الفضاء الإلكتروني وحده، بل يمتد اليوم من أعماق البحار إلى الفضاء الخارجي.