الميناء، الذي يُراد له أن يكون بوابة تربط الخليج بأوروبا وأفريقيا، يُطرح اليوم كجزء من تحول استراتيجي نحو البحر الأحمر، بعد سنوات من تركيز البنية الاقتصادية على الساحل الشرقي. هذا التحول لا يبدو خيارًا مدروسًا بقدر ما هو محاولة لاحتواء تداعيات المخاطر الجيوسياسية، وعلى رأسها التهديدات التي تطال مضيق هرمز.
ورغم الخطاب الترويجي، فإن مشروع نيوم نفسه لم يسلم من تقليصات كبيرة نتيجة تضخم التكاليف، ما يثير تساؤلات حول جدوى الرهان عليه كركيزة بديلة. وفي منشور لفريق نيوم على منصة "إكس"، جرى الترويج للميناء باعتباره "بوابة رئيسية" في ظل تغير طرق التجارة، مع التأكيد على جاهزيته للعمل بكامل طاقته.
غير أن هذه الصورة المتفائلة تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا. فقد نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن تيم كالين، الزميل في معهد دول الخليج العربي في واشنطن، قوله إن هناك "جهدًا كبيرًا لتطوير موانئ البحر الأحمر ضمن توجه نحو قطاع الخدمات اللوجستية"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى عقبات بنيوية، أبرزها ضعف البنية التحتية في غرب "السعودية"، وغياب خط سكة حديد مباشر يربط الداخل بالساحل، فضلًا عن محدودية طاقة ميناء ينبع.
وتكشف الأرقام حجم هذه القيود؛ إذ لم تتجاوز صادرات ينبع خلال ذروة النشاط نصف مستوى الصادرات الأسبوعية التي كانت تُشحن من موانئ الشرق، والتي بلغت 59 مليون برميل قبل الضربات الأميركية–الإسرائيلية، بحسب بيانات شركة "كبلر". كما أن مشروع "الجسر البري"، الذي يُفترض أن يربط الرياض بجدة عبر خط سكة حديد بطول 1500 كيلومتر وبتكلفة 27 مليار دولار، لا يزال يواجه تأخيرات متكررة، مع ترجيح اكتماله بحلول عام 2034.
وفي محاولة لسد هذه الفجوة، أعلنت السلطات عن إطلاق خمسة "ممرات لوجستية" جديدة تربط الخليج بالبحر الأحمر، لكنها تعتمد في جوهرها على شبكة الطرق القائمة، ما يعني استمرار الاعتماد على النقل بالشاحنات بدلًا من حلول بنيوية مستدامة.
أما ميناء نيوم نفسه، فلا تزال معالم دوره الفعلي غير واضحة. فالميناء لا يتعامل مع النفط، ولم تفصح الشركة المشغلة، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، عن بيانات تفصيلية لنشاطه، مكتفية بالقول إنه يعمل بكامل طاقته. وتشير بيانات عام 2024 إلى أنه استقبل نحو 2.2 مليون طن من البضائع، وهو ما لا يتجاوز 2% من إجمالي واردات البلاد.
صور الأقمار الصناعية، التي أوردتها فايننشال تايمز، أظهرت نشاطًا ملحوظًا في الميناء، مع وجود عدد كبير من الشاحنات واستكمال أعمال البنية الأساسية، لكن هذه المؤشرات لا تبدد الشكوك حول قدرته على لعب دور محوري في المدى القريب.
في المقابل، يبدو أن التحول نحو الساحل الغربي يجري بالفعل، وإن كان مدفوعًا بالضرورة أكثر من كونه خيارًا استراتيجيًا متكاملًا. دبلوماسي غربي أشار للصحيفة إلى أن مركز الثقل الاقتصادي في "السعودية" بدأ يتحول تدريجيًا نحو البحر الأحمر، بالتوازي مع نقل جزء كبير من صادرات النفط عبر خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب.
هذا الخط، الذي بُني خلال الحرب العراقية-الإيرانية، أصبح اليوم شريانًا حيويًا، حيث ارتفعت صادرات النفط من ميناء ينبع إلى أكثر من 29 مليون برميل أسبوعيًا في أوائل أبريل، أي ما يقارب أربعة أضعاف مستواها في فبراير، وفق "كبلر". ومع ذلك، لم يسلم هذا المسار من المخاطر، إذ تعرض لضربات في فترات سابقة، بما في ذلك هجوم حديث أدى إلى تعطيل نقل نحو 700 ألف برميل يوميًا لعدة أيام.
ورغم أن موقع ينبع على البحر الأحمر يمنحه ميزة نسبية من حيث البعد الجغرافي عن مصادر التهديد مقارنة بميناء رأس تنورة، فإن هذا لا يعني انتفاء المخاطر، خصوصًا في ظل هشاشة الأوضاع في اليمن وشرق أفريقيا.
في هذا السياق، تحاول "السعودية" استغلال الأزمة لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للنقل، حيث سمحت بمرور مزيد من شاحنات الغذاء عبر أراضيها، وأعفتها من رسوم التخزين، كما استقبلت مطاراتها جزءًا من عمليات شركات طيران خليجية بشكل مؤقت.
أما نيوم، الذي طالما وُصف بأنه مشروع مبالغ في طموحه، فقد يجد لنفسه دورًا عمليًا غير متوقع. وتنقل فايننشال تايمز عن الخبيرة إيلانا ديلوزييه قولها إن المشروع "لم يُصمم أساسًا كتحوط ضد مخاطر مضيق هرمز، لكنه قد يتحول إلى ذلك".
ورغم استمرار العمل على تطوير منطقة "أوكساغون" الصناعية وبناء مراكز بيانات وصناعات متقدمة، فإن الفجوة بين الطموح والواقع لا تزال قائمة. فحتى مع توقع وصول القدرة الاستيعابية لميناء نيوم إلى 1.5 مليون حاوية سنويًا، تبقى هذه الأرقام محدودة مقارنة بحجم الرهان السياسي والاقتصادي عليه.
هذه التحركات تكشف عن محاولة "السعودية" إعادة تموضع تحت ضغط الأزمات، عبر تسويق مشاريع لم تكتمل بعد كحلول جاهزة. غير أن التحديات البنيوية، إلى جانب المخاطر الأمنية المستمرة، تجعل من هذا الرهان محفوفًا بالشكوك، خصوصًا في ظل استمرار الاعتماد الاستراتيجي على مضيق هرمز، الذي لا يزال، بحسب دبلوماسي غربي نقلت عنه فايننشال تايمز، عنصرًا لا غنى عنه في معادلة الطاقة السعودية على المدى الطويل.