عاجل:
Max Morgan: كيف تحولت رئاسة أمن الدولة إلى "رئاسة نهب الدولة"؟
حدث وتحليل 2026-10-04 09:10 405 0

Max Morgan: كيف تحولت رئاسة أمن الدولة إلى "رئاسة نهب الدولة"؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

مقدمة الناشر:

في ظل التحولات الجذرية التي شهدتها بنية الدولة وإدارتها الأمنية في المملكة العربية السعودية، لم يعد المشهد الأمني مجرد أداة لحماية الدولة، بل تحول إلى منظومة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية متشابكة.

وفي هذا التقرير الاستقصائي الهام، يقدم الكاتب ماكس مورغان قراءة كاشفة لما يجري خلف الأبواب المغلقة.

يُذكر أن ماكس مورغان هو مستشار قانوني سابق وناشط في حقوق الإنسان، عايش تجربة الاعتقال التعسفي في السجون السعودية لمدة عامين ونصف؛ وهو ما يمنح شهادته قيمة “الشاهد العيان” على تحولات جهاز أمن الدولة، حيث يستند في تحليلاته إلى تجربة حقيقية ومعايشة مباشرة داخل منظومة الاحتجاز.

في هذا المقال، لا يكتفي مورغان بتناول الأبعاد السياسية لإعادة هيكلة الجهاز وربطه المباشر بولي العهد، بل يغوص في العمق الاقتصادي والمالي لهذه المؤسسة، كاشفاً النقاب عن تحولها إلى شبكة مصالح مالية مغلقة، واقتصاد سجون موازٍ يُدار بعقلية الاستثمار والمصادرة.

يضعنا هذا التقرير أمام قراءة دقيقة وموثقة لكيفية توظيف النفوذ الأمني لإعادة تشكيل الثروة والنفوذ في المشهد السعودي الراهن.

 

كيف تحولت رئاسة أمن الدولة إلى "رئاسة نهب الدولة"؟

 

الفصل الأول: الانقلاب والهيكلة الجديدة – إعادة صياغة العقيدة الأمنية

تداخلت المصلحة السياسية بالرغبة المادية في نقطة تحول حاسمة من تاريخ جهاز الأمن السعودي؛ فمع الإطاحة بالأمير محمد بن نايف — المهندس الأول لجهاز رئاسة أمن الدولة والقلب النابض لإداراته وضباطه المعنيين — شهد الجهاز تحولاً جذرياً في بنيته وعقيدته.

لم يعد الهدف المباشر للجهاز ملاحقة التنظيمات الإرهابية الخطيرة كـ "القاعدة" و"داعش"، بل أُعيدت توجيه بوصلته بالكامل لنواحٍ أخرى.

تم فصل تبعية الجهاز عن وزارة الداخلية ليرتبط شخصياً ومباشرة بمحمد بن سلمان دون أي وسيط، ليتحول إلى أداة لمطاردة المواطنين، والوافدين، والمغردين.

وفي هذا السياق، سُخِّر "نظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله" ورُبطت "المحكمة الجزائية المتخصصة" بجميع قضاتها بأوامر مباشرة من ولي العهد لتصفية الحسابات السياسية، والمالية، والاجتماعية، والأسرية، والشخصية، ولخدمة النفوذ والملذات.

ومن خلال هذه المنظومة، جرى استغلال السلطة لنهب الأموال، والشركات، والأراضي، والعقارات المملوكة لأفراد من الأسرة الحاكمة، وعامة الشعب، وحتى بعض المستثمرين العرب والأجانب.

 

الفصل الثاني: بيعة المال والنفوذ – الحصانة والأجهزة العابرة للحدود

لضمان السيطرة المطلقة والولاء التام من قبل الفريق الجديد من المحققين، والضباط، والقضاة معدومي الخبرة والدراية الذين حلوا محل فريق محمد بن نايف ذوي الخبرة الطويلة، جرى بناء شبكة حماية وتنفيذ متكاملة عبر الآتي:

1- الميزانيات المفتوحة: تخصيص ميزانيات ضخمة تُقدر بمئات المليارات لصالح الجهاز.

2- الحصانة المطلقة: منح عناصر الجهاز إطلاق يد تام وحصانة كاملة من أي محاسبة أو مسؤولية قانونية عن الجرائم أو الانتهاكات الجسدية، والنفسية، والشخصية، والمالية.

3- فرق العمليات العابرة للحدود: تشكيل فرقة إجرامية تنفيذية تتجاوز الحدود للقيام بعمليات الاغتيال، والخطف، والابتزاز، والتهديد بناءً على معلومات تُنتزع من المعتقلين تحت التعذيب.

وتُموَّل هذه الفرقة من مصادر غير قانونية وخارج السجلات الرسمية كتدوير أموال تجارة المخدرات، والدعارة، والاتجار بالبشر، وغسيل الأموال.

4- ترهيب مراكز القرار: شلّ حركة أي أمير، أو وزير، أو مسؤول يحاول التدخل، أو الوساطة، أو الاستفسار، أو الاعتراض على أعمال الجهاز، والتنكيل بكل من يخالف ذلك عبر الاعتقالات والمحاكمات العسكرية.

5- التغطية على الفساد الداخلي: غض النظر الكامل عن فساد المسؤولين الجدد في الجهاز، سواء كانت مخالفات مالية، أو قانونية، أو جسدية، أو جنسية، أو استغلالاً للنفوذ.

 

الفصل الثالث: هندسة الفساد – الشركات الخاصة والنهب الممنهج للميزانية

تحول الجهاز إلى نموذج استثماري خاص لكبار مسؤوليه، الذين أسسوا شركات خاصة — مثل شركة "جناص"، وشركة "باوار"، وشركة "الخدمات الأمنية" وغيرها — المملوكة لهم ولأفراد أسرهم وأقاربهم وأصدقائهم لامتصاص الميزانية بالكامل وفق المخطط التالي:

1- ضخ الميزانية والتوريد الاحتكاري: تُصرف الميزانية رسمياً من خزينة الدولة لحساب رئاسة أمن الدولة، ليقوم الجهاز بأسند عقود التوريدات، والخدمات، والصيانة، والبناء، والنظافة، والخدمات الطبية، والإعاشة لشركاتهم الخاصة بأسعار مضاعفة ومبالغ فيها دون خضوع لأي منافسة.

2- إعادة التدوير والفواتير الوهمية: تُقدم الشركات فواتير وهمية تدعي توريد مستلزمات جديدة لكل معتقل جديد، بينما تقوم إدارة السجن بإعادة تدوير المستلزمات المستعملة مراراً وتكراراً (كالملابس وفرش الزنازين)، وتُصرف الأموال لتسوية هذه الفواتير دون توريد حقيقي.

3- البضائع الراكدة والتالفة: توريد أردأ المنتجات وأقلها جودة، أو تلك منتهية الصلاحية والراكدة في الأسواق بعد شرائها بأسعار بخسة، وتوريدها للجهاز بأسعار مضاعفة تتجاوز أسعار الجودة الأولى.

4- الضغط المعيشي والصحي: فرض اشتراطات قاسية على المطبخ، والمستشفى، والمخازن لتضييق نفقات المعتقلين والعلاج لأدنى درجة ممكنة بهدف مضاعفة الأرباح، وأدى ذلك إلى:تقديم أطعمة رديئة وضارة وبكميات ضئيلة جداً.

تفشي الأمراض الجلدية جراء إجبار المعتقلين على ارتداء ملابس وأغطية نوم مستخدمة من قِبل معتقلين سابقين لسنوات.

ارتفاع معدلات المرض والوفاة نتيجة منع الأطباء والممرضين من تقديم الخدمات الطبية أو صرف الأدوية إلا في الحالات القصوى وبموافقة كبار الضباط.

غسل ملابس المعتقلين والمناشف في المغاسل بصورة جماعية وبمياه ومواد ملوثة، مما يسهل نقل العدوى والأوبئة.

 

الفصل الرابع: خلف الأسوار – إدارة السجون كـ "مشروع تجاري"

لا تتوقف ممارسات الاستغلال عند حدود التوريد، بل تمتد لتشمل البنية التحتية واليومية للمعتقلات:

1- انعدام الصيانة والوقاية: غياب الصيانة الدورية في الزنازين ودورات المياه والخزانات رغم تقاضي الشركات المتعاقدة لمبالغ ثابتة، مما يتسبب في طفح المجاري المستمر داخل الزنازين التي يأكل ويصلي وينام فيها المعتقلون، مع انعدام خدمات رش المبيدات ومكافحة الحشرات.

2- احتکار المقاصف والنظافة الشخصية: تقديم فواتير وهمية لتوريد الصابون، والشامبو، وفرش الأسنان، ومزيلات العرق، والمطهرات دون توريدها فعلياً، ويُجبر المعتقلون على شرائها من أموالهم الخاصة بأسعار مضاعفة من الشركات المحتكرة كـ "جناص"، أو البقاء في حالة قذارة تامة، مما يدفع زملاء الزنازين للتبرع لبعضهم للحد من الروائح والأمراض.

3- العمالة القسرية والتسمم: السخرة وتوظيف أعداد كبيرة من المعتقلين بدون أجور في إنتاج المأكولات، والحلويات، والزراعة دون مراعاة للمعايير الصحية، وإعادة بيع هذه المنتجات بأسعار مضاعفة للمعتقلين أنفسهم، وهو ما أسفر عن حالات تسمم متعددة جرى التستر عليها.

 

الفصل الخامس: التحول الديموغرافي واقتصاد السجون ($100 يومياً لكل معتقل)

تغيرت التركيبة الديموغرافية داخل المعتقلات؛ فبدلاً من العناصر الإرهابية، أصبحت الزنازين تعج ببسطاء ومسالمين ومثقفين من النساء، والرجال، والأطفال، ومن مختلف الخلفيات الاجتماعية والسياسية والجنسيات (عربية، وأفريقية، وآسيوية، وغربية).

وضمت قائمة المعتقلين علماء، وشيوخاً، وطلاباً، ومهندسين، وأطباء، ورجال أعمال، ومستثمرين، وخبراء، وناشطين، ومغردين، بالإضافة إلى أمراء، وأميرات، ووزراء، وقضاة، ومستشارين لا يمتون للإرهاب بصلة.

أصبح للجهاز مصلحة اقتصادية مباشرة في إبقاء السجون ممتلئة بشكل دائم؛ حيث يُحسب كل معتقل كأنفاس غرفة في فندق استثماري تعود بدخل لا يقل عن 100 دولار يومياً، فضلاً عن ضمان استمرار الميزانيات الحكومية الضخمة المرتبطة بأعداد النزلاء.

وتكتمل المنظومة المالية عبر:

1- مصادرة ممتلكات المعتقلين، وأصولهم، وحساباتهم البنكية، وأسهمهم، وسياراتهم، ومجوهراتهم، وأماناتهم.

2- إجبارهم على التنازل عن أموالهم أو بيعها بأسعار بخسة تحت التهديد بالإكراه.

3- سرقة الحسابات الخارجية للمعتقلين في بنوك سويسرا، وأوروبا، وأمريكا، عن طريق انتحال شخصياتهم واستغلال هواتفهم، وكلمات السر، والبصمات لتحويل الأموال لحسابات خاصة.

 

الفصل السادس: المعادلة السياسية والتواطؤ الدولي

أولاً: لماذا يقبل محمد بن سلمان بهذا الوضع؟

1- الولاء القائم على المنفعة: ضمان الولاء المطلق للجهاز الذي يحميه، والذي يرتبط ولاؤه بالمال والنفوذ.

2- الإنفاذ الإجرامي: ضمان عدم اعتراض الجهاز الفاسد على تنفيذ أي أوامر تتصل بالقتل، أو الاختطاف، أو التعذيب.

3- ملفات الابتزاز و"كبش الفداء": امتلاك أدلة إدانة كاملة ضد جميع أفراد الجهاز لابتزازهم عند الحاجة، أو التضحية بهم وتقديمهم ككبش فداء فاسدين عند وقوع الأزمات الدولية (كما حدث في قضية اغتيال جمال خاشقجي).

 

ثانياً: لماذا تتستر الحكومات الغربية ووسائل الإعلام؟

يستند التعتيم إلى استراتيجية داخلية وخارجية:

1- داخلياً: منع الاتصالات، والزيارات، وتسريب المستندات، واستبعاد المحامين (إلا من يخضع للجهاز)، وإجبار المعتقلين على توقيع تعهدات عدم التحدث، وفرض حظر سفر يصل إلى 25 سنة.

إضافة إلى أساليب أخرى كإجبار بعض المعتقلين على إدمان المخدرات أو تعريضهم لظروف نفسية تقود للجنون لتسهيل تكذيبهم، ونسخ بيانات جوالاتهم لابتزازهم واحتجاز أقاربهم كرهائن.

2- خارجياً: ضخ مئات المليارات في عقود الدعاية والإعلان ورعاية وسائل الإعلام الغربية لتبييض السمعة، وتوجيه تدفقات المشتريات والاستثمارات إلى حكومات دول مثل أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وأستراليا لشراء الذمم وإخراس الأصوات الحقوقية والسياسية بدافع المصالح.

 

*الكاتب: ماكس مورغان

آخر الاخبار