في أدبيات التنمية المقارنة، يُقاس نجاح الخطط الاقتصادية بمدى اتساع الطبقة المتوسطة وتراجع معدلات الاعتماد على الإعانات الحكومية. لكن في السعودية، ووسط الصخب الإعلامي المصاحب لـ “رؤية 2030”، أطلت الحقيقة العارية من نافذة الأرقام الرسمية لـ “حساب المواطن”: إيداع دعم مالي لـ 9.9 مليون مستفيد في شهر واحد (يوليو).
هذا الرقم لا يمثل مجرد إحصائية مالية، بل هو شهادة فقر جماعية معلنة تكشف أن قرابة نصف الشعب السعودي لم يعد قادراً على مجابهة أعباء المعيشة اليومية بمفرده. إنها المفارقة الصارخة لنموذج اقتصادي يبني ناطحات السحاب والمشاريع الخيالية بآلاف المليارات، بينما يرزح نصف مواطنيه تحت طائلة “العوز المهيكل”.
1. بنية القرار الفردي: كيف يُصنع الإفقار؟
إن الربط بين تركز السلطة والأداء الاقتصادي ليس تنظيراً أكاديمياً، بل هو الواقع المعاش. تشير الدراسات الهيكلية للاقتصادات الريعية إلى أن غياب المؤسسات المستقلة، وتغييب الرقابة البرلمانية، واحتكار القرار التنموي في يد رجل واحد، يحوّل الاقتصاد إلى حقل تجارب للقرارات الارتجالية.
في هذا النموذج المتمركز، تغيب قنوات “الإنذار المبكر”. فلا توجد صحافة حرة تحذر من تبعات الضرائب، ولا برلمان يحاسب على الهدر في مشاريع غير منتجة مثل “نيوم”، ولا قضاء مستقل يحمي المستثمر الصغير. النتيجة الحتمية لهذه البيئة هي “الخوف المؤسسي”؛ حيث يخشى التكنوقراط والمستشارون نقل الحقائق والبيانات السلبية لصاحب القرار، خوفاً من البطش أو الإقصاء، فيستمر تبديد الموارد على الأوهام، بينما تُفرض الفاتورة الحقيقية على كاهل المواطن البسيط.
2. التضخم الصامت وجباية “القطّارة”
كيف وصلنا إلى مرحلة يحتاج فيها نصف المجتمع إلى الدعم؟ الإجابة تكمن في سياسة الجباية الممنهجة التي اتبعتها السلطة لتمويل طموحاتها السياسية والدعائية:
هذه السياسة تعتمد صيغة التجريد ثم التخدير: تُسلب من المواطن قدرته الشرائية عبر الضرائب والرسوم، ثم يُعاد إليه جزء ضئيل منها عبر “حساب المواطن” كدعم مشروط. إنها ليست تنمية، بل هي عملية إعادة توزيع قسرية للثروة من جيوب المواطنين إلى الصناديق السيادية، ثم منحهم “فتاتاً” يسمى مساعدات.
3. الإعانة كأداة للضبط السياسي والاجتماعي
لماذا تفضل السلطة نظام “الدعم المالي المباشر” على خفض الضرائب والرسوم؟
السبب سياسي بامتياز. خفض الضرائب هو حق بنيوي يتمتع به المواطن تلقائياً ودون منّة. أما “حساب المواطن” فهو إعانة مرتبطة بـ “أهلية” تحددها السلطة وتملك سحبها أو تعديلها في أي وقت.
تحت هذا النظام، يتحول المواطن من شريك في ثروة وطنه إلى “متلقٍ للمعونة” يخشى إبداء أي رأي معارض أو انتقاد للسياسات العامة خشية تصنيفه “غير مؤهل” وقطع شريان حياته الرقمي. لقد تحول الدعم الاجتماعي من شبكة أمان ضد الفقر إلى أداة لترويض المجتمع وضبطه سياسياً.
4. حتمية التراجع الاقتصادي
إن المقارنة بين النموذج النرويجي (حيث تُدار الثروة عبر مؤسسات مستقلة ولصالح الأجيال) والنموذج السعودي الحالي، تكشف عمق الأزمة.
في السعودية، يُدار صندوق الاستثمارات العامة بعقلية الشركات الخاصة الهادفة للمظهرية والامتيازات الدولية، لا بعقلية الاستدامة الوطنية.
الإنفاق الهائل على الاستحواذات الخارجية والمشاريع الترفيهية لم ينعكس على خلق وظائف مجدية للمواطنين، بل تسبب في زيادة الدين العام والضغط على الاحتياطيات.
وفي النهاية، عندما تعجز المشاريع البراقة عن توليد عائد حقيقي، تلتجئ السلطة إلى الحل الأسهل: زيادة جيب المواطن عمقاً، وتوسيع دائرة المحتاجين للدعم.
الخلاصة:
إن الأرقام لا تكذب وإن جمّلها الإعلام. إعالة نصف الشعب عبر المساعدات ليست دليلاً على سخاء الدولة، بل هي إدانة دامغة لسياسات اقتصادية أفقرت المجتمع لحساب الاستعراض الخارجي. إنها الحقيقة الصادمة التي تختصر كل شعارات الرؤية: بلد يغرق في الثروة، ونصف شعبه يقف في طابور الإعانات.
إن الحاكم الذي يفتخر بإعطاء المساعدات لشعبه بعد أن دفعه إلى الحاجة، هو كمن يصنع الجرح بيده، ثم يطالب الضحية بالتصفيق لأنه أحضر الضماد.