عاجل:
تقرير دولي يرصد أزمة التقاعد في السعودية
الاخبار 2026-06-28 08:54 713 0

تقرير دولي يرصد أزمة التقاعد في السعودية

كشفت دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة "بلاك روك" لإدارة الأصول بعنوان "نظرة على التقاعد: دول مجلس التعاون الخليجي 2026" عن تحديات متنامية تواجه العاملين من المقيمين الأجانب في "السعودية" في ما يتعلق بالاستعداد المالي لمرحلة التقاعد، في وقت تزعم فيه الرياض إعادة تشكيل اقتصادها ضمن إطار "رؤية 2030".

واعتمدت الدراسة على استطلاع شمل ألف موظف من العاملين في السعودية والإمارات، بهدف قياس مستويات الجاهزية للتقاعد، وأنماط الادخار، ومدى الثقة بالحلول الادخارية طويلة الأجل.

 

وأظهرت النتائج مفارقة لافتة؛ إذ أعرب 78% من المشاركين عن شعور إيجابي تجاه أوضاعهم المالية الحالية، إلا أن نسبة الذين يشعرون بأنهم مستعدون فعلاً للتقاعد لم تتجاوز 48%.

 

 

 

فجوة واضحة بين المواطنين والوافدين:

 

 

 

وأبرزت الدراسة تفاوتاً ملحوظاً بين المواطنين السعوديين والمقيمين الأجانب في ما يتعلق بالاستعداد للتقاعد.

 

فقد أفاد 59% من المواطنين بأنهم يشعرون بالجاهزية المالية لما بعد انتهاء حياتهم المهنية، مقابل 41% فقط من الوافدين.

 

وأرجعت "بلاك روك" هذه الفجوة إلى استفادة المواطنين من أنظمة التقاعد العامة، في حين يعتمد كثير من المقيمين على مدخراتهم الشخصية أو على ترتيبات وظيفية أقل تنظيماً.

 

وتسلط هذه الأرقام الضوء على التحديات التي تواجه العمالة الوافدة، التي تشكل جزءاً مهماً من سوق العمل السعودي، في ظل محدودية الأدوات المؤسسية المتاحة لها للتخطيط المالي طويل الأمد.

 

 

 

الادخار التقليدي بديلاً عن الحلول المنظمة:

 

 

 

ورغم أن ثلاثة أرباع المشاركين أكدوا أنهم بدأوا التفكير في التقاعد أو الادخار له، فإن الدراسة أشارت إلى أن 24% فقط يساهمون فعلياً في برامج تقاعد أو خطط ادخارية طويلة الأجل، بينما قال 57% إنهم يدخرون أو يستثمرون بشكل منتظم.

 

كما كشفت النتائج أن نسبة كبيرة من الأسر السعودية ما تزال تفضل وسائل تقليدية لحفظ مدخراتها، حيث يحتفظ 49% بالنقد، فيما يلجأ 40% إلى الذهب، ويستثمر 18% في العقارات. وتُظهر هذه المؤشرات محدودية انتشار أدوات التقاعد الحديثة وضعف الاعتماد على المنتجات الاستثمارية المخصصة لهذه المرحلة.

 

وتكشف هذه الظاهرة عن غياب تام لآليات الأمان الاجتماعي الحديثة، وعن بيئة مصرفية طاردة لا تقدم للمستهلك سوى أدوات ريعية لا تخدم سوى أرباح النخبة الحاكمة ومؤسساتها.

 

 

 

ضغوط معيشية ومخاوف من المستقبل:

 

 

 

وبيّنت الدراسة أن الضغوط المالية اليومية تشكل أحد أبرز العوائق أمام التخطيط طويل الأجل؛ إذ أعرب 69% من المشاركين عن خشيتهم من عدم القدرة على مواجهة النفقات الطارئة، بينما قال 68% إن دخولهم لا تكفي سوى لتغطية متطلبات الحياة الأساسية مع هامش محدود للادخار.

 

كذلك، أشار 59% إلى أنهم غير قادرين على التخطيط للمستقبل بسبب الأعباء المالية الحالية، فيما أعرب 58% عن قلقهم من احتمال نفاد مدخراتهم خلال سنوات التقاعد.

 

 

 

الحاجة إلى إصلاحات أوسع:

 

 

 

 

وخلص التقرير إلى أن منطقة الخليج، و"السعودية" على وجه الخصوص، تقف أمام "لحظة مفصلية" لإعادة النظر في أنظمة التقاعد وتعزيز أدوات الادخار المرتبطة بمكان العمل. وأوضح أن توسيع نطاق برامج الادخار المنظمة لا يهدف إلى استبدال أنظمة التقاعد الحكومية، بل إلى استكمالها وتعزيز قدرة الأفراد على تحقيق الاستقرار المالي مستقبلاً.

 

وفي ظل استمرار التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة، تفتح نتائج الدراسة الباب أمام نقاش أوسع حول مدى قدرة السياسات الحالية على توفير حماية مالية مستدامة لجميع العاملين، مواطنين كانوا أم وافدين، وضمان انتقال أكثر توازناً نحو مستقبل اقتصادي لا يُترك فيه ملايين العاملين لمواجهة تحديات الشيخوخة بأدوات محدودة وإمكانات غير كافية.

 

وفي الوقت الذي يواصل فيه النظام السعودي الترويج لـ"رؤية 2030″ بوصفها مشروعاً للتحول الاقتصادي والاجتماعي وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً، تكشف معطيات تقرير "بلاك روك" عن وجه آخر لهذه التحولات، يتمثل في استمرار الفجوات العميقة في مستويات الحماية المالية بين المواطنين والعمالة الوافدة.

 

فالأرقام التي أوردها التقرير، والتي أظهرت أن 41% فقط من المقيمين الأجانب يشعرون بالجاهزية للتقاعد، مقارنة بنسبة أعلى بين المواطنين، ما يعمق من الفوارق الطبقية ويطرح تساؤلات جدية حول مدى شمولية الإصلاحات الاقتصادية المعلنة وقدرتها على توفير مظلات أمان متساوية لجميع من يساهمون في عجلة الاقتصاد السعودي.

 

ورغم أن التقرير لم يذهب إلى تحميل النظام المسؤولية بصورة مباشرة، إلا أن نتائجه تعكس واقعاً يجد فيه ملايين الوافدين أنفسهم خارج منظومات الادخار والتقاعد المنظمة التي تحتكرها الفئات المقربة من السلطة، معتمدين إلى حد كبير على مدخراتهم الشخصية أو خيارات تقليدية محدودة لحماية مستقبلهم المالي.

 

ويعني ذلك أن شريحة واسعة من القوة العاملة التي أسهمت لعقود في تشييد المشاريع الاستعراضية، تبقى أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية عند التقدم في السن، في ظل غياب شبكات حماية كافية تضمن لها حياة كريمة بعد انتهاء سنوات العمل.

 

وتفتح هذه المؤشرات الباب أمام انتقادات متزايدة للنموذج الاقتصادي الذي يفاخر بمشاريعه ومعدلات نموه المرتفعة، فيما يعجز عن معالجة التفاوت القائم في فرص الوصول إلى أدوات الادخار والتقاعد.

 

وبالنسبة للمدافعين عن حقوق العمال، فإن أي تحول اقتصادي يفقد معناه عندما لا ينعكس في صورة ضمانات اجتماعية أكثر عدالة وإنصافاً لجميع العاملين، بصرف النظر عن جنسياتهم أو أوضاعهم القانونية، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة فيما يظل ملايين العمال الذين أسهموا في بنائها يواجهون مستقبل الشيخوخة بموارد محدودة وغياب واضح للحماية الاجتماعية.

 

آخر الاخبار