بقلم عبد الرحمن الهاشمي
منذ منتصف التسعينيات، ارتبط الرئيس الراحل علي عبد الله صالح بمنظومة علاقات مع الرياض قامت على تبادل المنافع، دعم مالي سخي للنظام اليمني مقابل تسهيلات سياسية وأمنية، ورشاوى موجهة لشيوخ القبائل لضمان الولاء وتحييد المعارضة، إلى جانب تمويل نشر المعتقد الوهابي في المناطق الشمالية والحدودية لإعادة تشكيل البنية الدينية المحلية بما يخدم النفوذ السعودي. هذا المسار لم يكن مجرد تدخل عابر، بل كان بناءً ممنهجا لوصاية تهدف إلى جعل اليمن مجالا حيويا تابعا على حساب سيادته واستقلالية قراره. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة صعود حركة أنصار الله إلا كرد فعل على هذه الوصاية، وكحركة تحرّر وطني تسعى إلى استعادة السيادة اليمنية وقطع دابر التبعية لأي طرف أجنبي او اقليمي، وهو ما يفسر حجم الاستثمار السعودي في القضاء عليها.
جاءت عملية ما يسمى ب "عاصفة الحزم" في 2015 لتكشف عن الطبيعة الحقيقية للصراع. فالإعلان الذي كان من واشنطن عن الحرب باسم استعادة الشرعية كان غطاء سياسيا لحرب أوسع هدفها إدامة الوصاية السعودية على اليمن وكسر حركة أنصار الله التي باتت تشكل تهديدا وجوديا لهذه الوصاية. غير أن هذه الحرب فشلت في تحقيق أهدافها، كما فشل الحصار الشامل في إخضاع الحركة أو إضعاف إرادتها. وبدلا من أن يؤدي التدخل إلى استعادة النفوذ، أنتج تأثيرا معاكسا تمثل في تحول أنصار الله من حركة محلية إلى لاعب إقليمي فاعل، واجه القوة الأمريكية في أكثر من مناسبة، وأسند غزة خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وهو ما منحها شرعية سياسية وعسكرية جديدة داخل اليمن وخارجه، وأعاد تعريف موقعها في المعادلة الإقليمية.
في المقابل، لم تُعد الرياض النظر في استراتيجيتها، بل لجأت إلى الهروب إلى الأمام عبر الاعتماد على تحالفات هشة ضمن ما يعرف بحلف مكة، الذي يضم باكستان وتركيا، لتغطية فشلها في مواجهة حركة طوّرت قدراتها العسكرية، لكن هذا الخيار يظل تقديرا خاطئا لموازين القوى، خصوصا أن إيران، الحليف الأبرز لأنصار الله، خرجت من مواجهة العدوان الأمريكي-الإسرائيلي في موقع أقوى وتكرست كقوة دولية كبرى، مما يمنح الحركة اليمنية هامشا أكبر للصمود والاستنزاف وفرض تسوية على النظام السعودي وفق شروطها وفي مقدمتها سيادة اليمن ووحدته وإستقلالية قراره.
وهنا يكمن جوهر المأزق الاستراتيجي الذي وجدت الرياض نفسها فيه، فالتسوية التي تفضي إلى إنهاء الحرب تعني عمليا الاعتراف بهزيمتها أمام حركة ظلت توصف في خطابها الرسمي بأنها ميليشيا تابعة لإيران، وهو ما يُترجم إلى انتكاسة استراتيجية مباشرة في مواجهة طهران، ويقوّض رصيد الرياض الإقليمي الذي بُني على وعود الحسم. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب لم يعد خيارا "سعوديا" بقدر ما أصبح وظيفة تُؤديها الرياض ضمن ترتيب إقليمي أوسع، إذ تخدم استمراريته مصالح أمريكية وإسرائيلية في استنزاف اليمن وإيران معا، وتُبقي السعودية رهينة هذا الدور. وهكذا وُجِدت الرياض محصورة بين تسوية تعني الهزيمة، وحربا تعني الاستنزاف وتبخر "رؤية 2030" وتبدد الرصيد الإقليمي والإرتهان أكثر للإسرائيلي تفاديا للنكسة السعودية العظمى، وهو ما يفسر عجزها عن الخروج من هذا المأزق رغم تراكم كلفته عليها وعلى الشعبين الشقيقين.
على المستوى الاقتصادي، تحمّل الشعب اليمني الحصة الأكبر من تبعات هذه الحرب العدوانية. فقد تعرضت البنية التحتية المدنية لتدمير واسع طال المطارات والموانئ والطرق والجسور ومحطات الكهرباء، وانهار القطاع الصحي بشكل شبه كامل، وانتشرت الأوبئة والمجاعة، وفقد ملايين اليمنيين مصادر رزقهم، ونزح أكثر من أربعة ملايين داخل البلاد أو إلى الخارج، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. كما تضرر القطاع التعليمي بشكل كارثي، وتوقفت رواتب مئات الآلاف من الموظفين، وتراجعت قيمة العملة المحلية إلى مستويات قياسية، مما أفقد الطبقة الوسطى موقعها في الهرم المجتمعي وأدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي في كثير من المناطق.
أما على الجانب السعودي، فإن الحرب لم تكن أقل تكلفة. فقد استنزفت مئات المليارات من الدولارات من الخزانة العامة، وأدت إلى خسائر بشرية وعسكرية متكررة على الحدود الجنوبية، وضُربت البنية النفطية ومنشآتها وفي القلب منها آرامكو، مما أثر على مكانة الرياض الدولية وموقعها الاقتصادي، وأضعف ثقة المستثمرين الأجانب، وزاد من حدة التوترات الداخلية في مناطق جنوبية تدفع ثمن حرب لا تمثلها ولا تعود عليها بأي نفع استراتيجي حقيقي. كما أن استمرار الحرب واحتدامها منذ رفع أنصار الله معادلة الحصار بالحصار أفرز أعباء اجتماعية متزايدة على الأسر السعودية التي داهمها إحساس بانتهاء عهد الرخاء ودخول زمن المحن وانقلاب مناخات "الترفيه" إلى أجواء خوف وفقدان الإحساس بالإمان، وهو ما يفسر تصاعد الانتقادات الداخلية لجدوى هذه المغامرة التي يتحمل محمد بن سلمان مسؤوليتها.
وبالمحصلة، فإن التدخل السعودي في اليمن، سواء عبر الوصاية الممنهجة قبل 2015 أو عبر الحرب المباشرة بعدها، لم يحقق أهدافه المعلنة ولا الخفية، بل أنتج نتائج معاكسة تماما، عزّز من موقع حركة أنصار الله وحوّلها من حركة محلية إلى لاعب إقليمي فاعل، وأضعف موقع الرياض الاستراتيجي، ودمّر اليمن اقتصاديا وعمرانيا وبشريا، وحمّل شعب الجزيرة العربية نفسه أعباء حرب لا نفع فيها. والمفارقة الكبرى أن الرياض، بدلا من السعي إلى تسوية دبلوماسية تُخرجها من المأزق، لا تزال تراهن على خيارات عسكرية وسياسية، آخرها الإستعانة بالجولاني والتشكيلات الارهابية التي استوطنت سوريا؛ بحسب تسريبات زيارة هذا الأخير للرياض، وهي الخيارات التي أثبتت فشلها، في وقت تتغير فيه موازين القوى الإقليمية بوتيرة متسارعة لم تعد في صالحها.
لكن الأخطر من فشل الحرب هو ما تُنبئ به مساراتها المقبلة. فاستمرار الرياض في المراهنة على الحل العسكري، في ظل تحوّل أنصار الله إلى قوة إقليمية ذات قدرة على فرض معادلات جديدة، يعني أن الحرب لم تعد أداة لتحقيق أهداف سياسية، بل أصبحت عبئا استراتيجيا يُنتج هزائم متتالية وتتقوض معه المقدرات الإقتصادية بشكل فائق الخطورة. وإذا كانت الرياض قد فشلت في كسر الحركة عندما كانت محلية، فإن محاولة كسرها اليوم وهي في موقع إقليمي متقدم يبدو مسعى محكوما بالفشل حتى مع دخول أطراف دولية بشكل مباشر وغير مباشر في الحرب. وهنا يبرز سؤال استشرافي: هل تدرك الرياض أن الحل الوحيد الذي يحفظ لها ماء الوجه هو تسوية تفاوضية يسترد معها اليمن سيادته ووحدته واستقلال قراره، أم أنها ستستمر في الرهان على خيارات مستنزفة حتى تصل إلى نقطة لا تجد فيها حتى التسوية متاحة؟ إن التأخير في التسوية ليس مجرد خسارة وقت، بل هو تراكم لخسائر استراتيجية ستجعل أي تسوية مقبلة أكثر كلفة مما كانت عليه قبل سنوات. وفي هذا السياق، فإن ما يبدو اليوم مأزقا ونذر هزيمة قد يتحول غدا إلى هزيمة كاملة قد تستتبع تغيرا في بنية النظام السعودي خاصة مع الربط بنتائج المواجهة الإيرانية الأمريكية وحيث تتجه الأوضاع إلى إنسحاب مذل للولايات المتحدة الأمريكية من غرب آسيا وإنكسار حلفها الإسرائيلي/ العربي.