في الوقت الذي بدأت فيه أنباء “تقليص” و"تأجيل" بعض أضخم مشاريع رؤية 2030 تتسرب إلى كبرى الصحف العالمية، مثل “نيوم” و"ذا لاين"، وتصاعد الحديث عن ضغوط على السيولة المالية وصندوق الاستثمارات العامة، يبرز تساؤل جوهري في الشارع السعودي: هل الوقت الحالي مناسب لطرح “أحلام” هندسية جديدة لم يسبق لها مثيل عالمياً؟
يأتي الإعلان الأخير عن مشروع “تبريد الرياض” والتعاقد مع شركة “Planet S.A” اليونانية كمستشار رئيسي، ليثير موجة من التوجس بين الخبراء والمواطنين على حد سواء.
فالمشروع الذي يهدف إلى “إعادة تصميم الظروف الحرارية” لعاصمة تقع في قلب صحراء لا ترحم، يبدو في نظر الكثيرين قفزة جديدة نحو المجهول.
1. لغز الشركة اليونانية: هل المستشار بحجم المهمة؟
أولى علامات الاستغراب تبدأ من هوية “الشريك المستشار” شركة “Planet S.A” ، هي شركة استشارية إدارية وتنموية، وليست عملاقاً هندسياً أو شركة متخصصة في الفيزياء المناخية أو تبريد المدن الكبرى.
التعاقد مع شركة بهذا الحجم المتواضع لإدارة مشروع يوصف بأنه “أول مبادرة عالمية” يضع علامات استفهام كبرى حول معايير الاختيار: هل نحن أمام دراسات حقيقية، أم أمام “وهم” يُباع بمئات الملايين كرسوم استشارية؟
2. معضلة “الصحراء لا تُكيَّف”: المستحيل الفيزيائي
من الناحية العلمية، تبريد مدينة مفتوحة كطائرة في الهواء الطلق في منطقة تصل حرارتها صيفاً إلى 50 درجة مئوية هو “تحدٍ لقوانين الفيزياء”.
3. تجميد المشاريع… والهروب للأمام
يأتي مشروع “تبريد الرياض” في سياق زمني مريب. فبعد صرف المليارات على مشاريع “ذا لاين” التي تم تقليص طموحها من 170 كم إلى 2.4 كم فقط، ومشاريع أخرى توقفت أو تباطأت، يرى مراقبون أن طرح مشروع “تبريد العاصمة” هو نوع من “الهروب للأمام”.
السؤال الملحّ هنا: أليس من الأجدى توجيه هذه المليارات لحل الأزمات الخانقة التي يعاني منها سكان الرياض فعلياً؟
4. كلفة “القرار الفردي” والضريبة على المواطن
يرى محللون أن مشكلة هذه المشاريع تكمن في أنها تنبع من “قرارات فردية” تبحث عن المبهر والعالمي، دون النظر في “الأثر الاقتصادي المباشر” على جيب المواطن. فبينما يدفع المواطن ضرائب القيمة المضافة المرتفعة، وتُرفع عنه الدعوم، يرى أموال الدولة تُهدر في عقود استشارية لشركات أجنبية (مثل الشركة اليونانية) لمشاريع قد لا ترى النور أبداً، أو تنتهي كـ “تجارب فاشلة” تُضاف إلى القائمة.
الخلاصة:
إن مشروع “تبريد الرياض” يضع المصداقية الاقتصادية على المحك، فالمواطن السعودي الذي قيل له إن “عصر النفط انتهى” ويجب عليه شد الحزام، يجد نفسه الآن يتفرج على ميزانيات ضخمة تُخصص لتبريد “الهواء الطلق”، في مشهد يختصر الفجوة بين “أحلام السلطة” و"واقع الناس".
إذا كانت المشاريع السابقة قد توقفت أو تم تقليصها بسبب “عدم الجدوى”، فما الذي يضمن ألا يكون مشروع التبريد هو “الثقب الأسود” الجديد لمدخرات الوطن؟