شهدت المملكة العربية السعودية منذ عام 2015 تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة، تزامنت مع صعود محمد بن سلمان إلى مركز القرار ثم تعيينه وليًا للعهد في عام 2017.
وقد رافقت هذه المرحلة سلسلة من القرارات والسياسات التي أعادت تشكيل بنية الحكم والاقتصاد والمجتمع، تحت عنوان «رؤية السعودية 2030».
ورغم تقديم هذه المرحلة رسميًا بوصفها مشروعًا للتحديث والتنويع الاقتصادي، فإنها أثارت في المقابل جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والحقوقية والاقتصادية، بسبب ملفات متعددة شملت الحرب في اليمن، والمشاريع العملاقة وما رافق بعضها من تهجير للسكان المحليين، إضافة إلى الحملات الأمنية الواسعة، والتغيرات الاقتصادية التي انعكست على مستوى المعيشة والضرائب والدعم الحكومي.
يسعى هذا التقرير إلى استعراض أبرز هذه الملفات والسياسات خلال هذه الفترة، وتحليل نتائجها وتداعياتها استنادًا إلى ما ورد في التقارير الإعلامية الدولية والدراسات الاقتصادية وتقارير المنظمات الحقوقية.
أولاً: ملف التدخل العسكري في اليمن (الفشل الاستراتيجي والكلفة الإنسانية)
خلافاً للأهداف المعلنة عند انطلاق “عاصفة الحزم” في مارس 2015، أظهرت النتائج الميدانية والزمنية ما يلي:
1. الإخفاق في تحقيق الأهداف العسكرية: بعد قرابة عقد من الزمان، لم ينجح التدخل العسكري في استعادة العاصمة صنعاء أو تقويض سلطة “جماعة أنصار الله” (الحوثيين)، بل انتهى الأمر بتعزيز نفوذهم العسكري وقدرتهم على استهداف العمق السعودي.
2. الكلفة البشرية والقانونية: وثقت تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ارتكاب انتهاكات جسيمة طالت المدنيين، واصفة الوضع في اليمن بـ “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، مع استهداف مباشر للبنية التحتية والمستشفيات والأسواق.
3. الاستنزاف المالي: تقديرات غير رسمية وتقارير اقتصادية دولية تشير إلى إنفاق مئات المليارات من الدولارات على المجهود العسكري وشراء الولاءات، مما أدى إلى استنزاف الاحتياطيات النقدية للمملكة دون عائد استراتيجي.
ثانياً: المشاريع الكبرى ونزع الملكية (ملف نيوم والحويطات)
اتسمت مشاريع “رؤية 2030” بأسلوب تنفيذي اصطدم بالحقوق المدنية للسكان المحليين:
1. التهجير القسري: وثقت منظمات حقوقية (مثل القسط وهيومن رايتس ووتش) عمليات تهجير قسري لسكان منطقة “تبوك” و"شرما" لإفساح المجال لمشروع “نيوم”.
2. قضية عبد الرحيم الحويطي: يبرز اسم المواطن عبد الرحيم الحويطي كتوثيق حي للصدام بين السلطة والأهالي؛ حيث قُتل في منزله (أبريل 2020) بعد معارضته العلنية للتهجير القسري، وصنفت المنظمات الدولية الحادثة كـ “تصفية خارج نطاق القانون”.
3. أحكام الإعدام: صدرت أحكام بالإعدام وأحكام بالسجن لعقود ضد أفراد من قبيلة الحويطات لمجرد رفضهم الإخلاء أو انتقاد آلية التعويضات، مما يعكس نهجاً أمنياً في إدارة المشاريع التنموية.
ثالثاً: تعثر المشاريع العملاقة و"الأوهام الاقتصادية"
على الرغم من الخطاب الإعلامي الضخم، تشير الوقائع إلى:
1. تقليص المشاريع: تقارير (وكالة بلومبرغ وغيرها) أكدت تراجع طموحات مشروع “ذا لاين” (The Line) من استيعاب 1.5 مليون ساكن بحلول 2030 إلى أقل من 300 ألف، وتقليص طول المدينة الفعلي بشكل حاد نتيجة صعوبات التمويل والتنفيذ التقني.
2. انسحاب الاستثمارات: فشلت المملكة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالنسب التي استهدفتها الرؤية، مما أجبر الدولة على الاعتماد الكلي على “صندوق الاستثمارات العامة” (أموال الشعب) لتمويل مشاريع يراها خبراء اقتصاد “غير ذات جدوى” أو “مشاريع غرور” (Vanity Projects).
3. إفلاس وتوقف شركات: واجهت العديد من شركات المقاولات الكبرى (مثل بن لادن وسعودي أوجيه) أزمات مالية حادة أو تصفية، مما أدى إلى ضياع حقوق آلاف الموظفين وتوقف مشاريع حيوية.
رابعاً: الملف الأمني والقضائي (سياسة القبضة الحديدية)
تم تحويل الجهاز القضائي والأمني إلى أداة لترسيخ السلطة الفردية:
1. الريتز كارلتون (نوفمبر 2017): تم احتجاز مئات الأمراء ورجال الأعمال خارج إطار القانون وبدون توجيه تهم رسمية أو محاكمات عادلة، فيما وُصف بأنه “عملية ابتزاز مالي” تحت غطاء مكافحة الفساد، أسفرت عن مصادرة مبالغ طائلة دون شفافية حول مصيرها.
2. قمع المعارضة: تصاعدت وتيرة الاعتقالات لتشمل كافة الأطياف (إسلاميين، ليبراليين، نسويات، أكاديميين)، مع توثيق حالات تعذيب وقتل داخل السجون (مثل قضية جمال خاشقجي التي هزت الضمير العالمي كأبشع جريمة اغتيال سياسي موثقة).
3. التوسع في أحكام الإعدام: سجلت المملكة أرقاماً قياسية في تنفيذ أحكام الإعدام، شملت قاصرين ومعارضين سياسيين، بناءً على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب وفق تقارير دولية.
خامساً: الملف الاقتصادي والمعيشي (إفقار المواطن)
تحت شعار “تنويع الدخل”، تم تحميل المواطن العبء الأكبر:
1. الضرائب المجحفة: رفع ضريبة القيمة المضافة من 0% إلى 15% بشكل مفاجئ، وفرض رسوم “المقابل المالي” على الوافدين والمرافقين، مما أدى لركود في قطاعات التجزئة وارتفاع حاد في الأسعار.
2. تقليص الدعم الحكومي: رُفع الدعم عن الطاقة والوقود والمياه بشكل متسارع، مما أدى لانخفاض الدخل الحقيقي للأسر السعودية وتآكل الطبقة المتوسطة.
3. تكاليف الحج والعمرة: تحولت الشعائر الدينية إلى مصدر دخل تجاري بحت بأرقام فلكية، مما جعل أداء المناسك عبئاً مالياً كبيراً حتى على المواطنين والمقيمين.
سادساً: التحول الاجتماعي (الانحلال كبديل للتشدد)
بدلاً من الإصلاح الفكري المتوازن، تم الانتقال من أقصى اليمين (التشدد) إلى سياسة ترفيهية تثير الجدل:
1. تغييب الهوية: جرى فرض مهرجانات غنائية وراقصة (موسم الرياض وغيره) بطريقة يراها الكثيرون مستفزة للقيم الدينية والاجتماعية، بهدف “تخدير” الشباب وإلهائهم عن المطالبة بالحقوق السياسية.
2. الفساد الاجتماعي والمخدرات: تشير تقارير دولية إلى تحول المملكة لمركز استهلاك رئيسي لبعض أنواع المخدرات (مثل الكبتاجون)، مع اتهامات بضعف الرقابة أو استخدام “الانفتاح” كغطاء لتفكيك النسيج الاجتماعي التقليدي.
الخاتمة
باختصار، تُظهر القرارات الكبرى في السعودية منذ عام 2015 أنها اتسمت بدرجة عالية من التركيز في يد محمد بن سلمان، مع تراجع واضح في دور المؤسسات، والدراسات المستقلة، ومراكز الأبحاث، والاختصاصيين في الشأن الاقتصادي.
هذا النمط في اتخاذ القرار أدى إلى الدخول في ملفات شديدة الكلفة، أبرزها حرب اليمن، التي استنزفت موارد كبيرة وخلّفت آثارًا إنسانية وسياسية واسعة، إضافة إلى المشاريع الضخمة التي صُرفت عليها مليارات، بينما بقيت نتائجها الفعلية محدودة مقارنة بما أُعلن عنها.
أما على المستوى الداخلي، فقد تحمّل المواطن جزءًا كبيرًا من كلفة هذه السياسات، من خلال ارتفاع الضرائب، وغلاء المعيشة، وتزايد البطالة، في وقت ازدادت فيه القبضة الأمنية، وإختفت المساحة البسيطة المتاحة سابقاً للنقد.
وبذلك تبدو هذه المرحلة أقرب إلى نموذج حكم دكتاتوري قمعي شديد المركزية، أنفق كثيرًا جداً ولم يحقق من النتائج ما يوازي واحد على ألف من حجم الوعود والتكاليف، وترك المجتمع يواجه آثارها في حياته اليومية ومستقبل أبنائه.