عاجل:
قراءة أليستر كروك في التحولات الجيوسياسية والبنيوية السعودية
حدث وتحليل 2026-09-22 17:09 658 0

قراءة أليستر كروك في التحولات الجيوسياسية والبنيوية السعودية

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 من هو أليستر كروك (Alastair Crooke

دبلوماسي بريطاني سابق وضابط سابق في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6)، عمل لسنوات في ملفات الشرق الأوسط، ثم انتقل لاحقاً إلى أدوار بحثية ووساطات غير رسمية عبر منصة Conflicts Forum التي ركزت على فهم حركات المنطقة والتواصل معها بعيداً عن القنوات التقليدية.

تنبع أهمية حديثه من أنه لا يقدّم قراءة إعلامية عابرة، بل يطرح تقديراً مبنياً على خبرة أمنية ودبلوماسية في كيفية تشكّل موازين القوى وتبدّل الولاءات داخل الدول، وخاصة في البيئات التي تلعب فيها البُنى الاجتماعية والقبلية دوراً حاسماً.

إنّ طرح كروك حول السعودية ليس مجرد قراءة اقتصادية أو سياسية سطحية، بل هو “تقدير موقف” مبني على فهمه العميق لكيفية انهيار الأنظمة من الداخل عبر استنزاف أطرافها الاجتماعية والقبلية، وهو ما يجعل شهادته مصدراً مهماً للمتابعة والتحليل.

 

1. الاستراتيجية الخفية لإعادة تشكيل المنطقة

يرى كروك أن عمليات إعادة رسم خارطة النفوذ في المنطقة لا تجري عبر قنوات التفاوض المعلنة (التي وصفها بالسطحية)، بل عبر مسار تفاوضي غير مرئي يستهدف البنية القبلية والاجتماعية للعمق السعودي.

الهدف الاستراتيجي لهذا المسار هو جذب هذه المكونات نحو الفضاء الإقليمي (المحور الإيراني-اليمني) بما يؤدي بالضرورة إلى تقليص النفوذ الأمريكي وشركات النفط الغربية بشكل نهائي.

 

2. طبيعة التحرك العسكري لـ"أنصار الله"

يؤكد كروك أن العمل العسكري في البحر الأحمر ليس مجرد ضربات عشوائية أو رد فعل آني، بل هو نتيجة تخطيط استراتيجي طويل الأمد (5-7 سنوات) بالتنسيق مع إيران.

يرى كروك أن هذا التحرك استطاع تحييد ممرات الملاحة أمام السفن المرتبطة بإسرائيل أو السعودية، ليس كهدف نهائي، بل كتمهيد لفرض معادلة جديدة تُجبر القيادة السعودية على إعادة الحسابات الاستراتيجية بعيداً عن الغطاء الأمريكي.

 

3. مقاربة “النموذج الأفغاني” في الجزيرة العربية

يقارن كروك الوضع الحالي في المملكة بطريقة سقوط الحكومة الأفغانية (نظام كابول).

يرى أن هذا السقوط لم يكن عسكرياً مباشراً بقدر ما كان نتاج سنوات من العمل الصامت مع القبائل والعشائر.

يطبق كروك ذات المنطق على الحالة السعودية، حيث يُطرح على زعماء القبائل خيار: “نظام تشاركي عادل أم احتكار عائلة واحدة للسلطة والقرار؟”، مستغلاً في ذلك سياسة المظلومية وتوزيع الثروة لاستمالة العمق القبلي ضد المركز.

 

4. نقاط التصدع في البنية السياسية السعودية

يشير كروك إلى هشاشة القاعدة التي يرتكز عليها الحكم حالياً، محدداً محطات ومناطق صدع أساسية:

  • أزمة فندق الريتز: يراها كروك نقطة تحول فاصلة أدت إلى الضغط على أفراد من العائلة الحاكمة ووجهاء قبائل بارزين، مما ساهم في تفكيك شبكات النفوذ التقليدية التي كانت تضمن استقرار الحكم.
  • المحافظات والحدود الجنوبية: مناطق التماس مع اليمن، حيث يرى كروك أن العديد من القبائل فيها تميل للتعاطف مع “أنصار الله” ومستعدة للانخراط في التحولات الجديدة.
  • المنطقة الشرقية: يرى كروك أن الملف فيها سيُحسم عبر تفاهمات مباشرة مع إيران بالنظر للتركيبة السكانية، دون الحاجة لتدخل عسكري.
  •  

5. نهاية حقبة “البترودولار”

يخلص كروك إلى أن النموذج التقليدي القائم على احتكار الشركات الأمريكية للنفط السعودي يتجه نحو نهايته الحتمية.

وفقاً لرؤيته، فإن البنية القبلية الجديدة، حال نجاح تحولها، لن تقبل بعودة آليات التدفق المالي التابعة لوول ستريت، بل ستتجه نحو إعادة التفاوض على الامتيازات والعقود بشروط جديدة تضمن “استعادة ما هو حق لها” محلياً وإقليمياً، وهو ما يعني خروج السعودية من مظلة التبعية الغربية وتحولها إلى فضاء تنسيق إقليمي.

 

خاتمة: ما بعد التقرير… الواقع الصادم

إن قراءة أليستر كروك لا تضعنا أمام سيناريو محتمل، بل أمام حقيقة واقعة.

لقد انتقلت التطورات في المملكة من مرحلة ‘إدارة الأزمات’ إلى مرحلة ‘إعادة الصياغة الجذرية’؛ وهو ما يعني أن بنية السلطة الحالية، بمحاولاتها الفردية للاستفراد بالقرار، قد وضعت نفسها في مسار تصادمي حتمي مع محيطها الاجتماعي والقبلي.

1.      كروك لا يقرأ فنجاناً:

عندما يتحدث ضابط استخبارات خبير مثل كروك عن “نموذج أفغاني” أو “تفكك قبلي”، فهو لا يمارس التنظير السياسي، بل يشخص حالة مرضية مستعصية في بنية الدولة.

هو يرى ما لا يراه المتابع العادي: أن النظام فقد قدرته على احتواء أطرافه، وأن الولاءات التي كانت تضمن استقرار الحكم تتآكل يومياً.

2.      التغيير ليس احتمالاً، بل مساراً:

التقرير لا يطرح “سيناريو” للتغيير بقدر ما يصف “عملية جراحية” بدأت بالفعل داخل جسد الدولة.

ربط التمويل بالولاء، وتهميش النخب التقليدية، والانفراد بالقرار… كلها مؤشرات على أن التغيير القادم لن يكون إصلاحاً من الأعلى، بل انهياراً يفرض نفسه من الأسفل (عبر القبائل والمكونات الاجتماعية).

3.      ماذا يعني هذا لنا؟

إذا كان ما يقوله كروك صحيحاً -وهو مرجح بحكم منصبه وخبرته- فإن المرحلة القادمة ليست مرحلة “مراقبة” أو “انتظار”.

المرحلة القادمة هي مرحلة الحسابات الصعبة:

  • سقوط المظلة: التبعية للغرب (البترودولار) كانت غطاءً يوفر الأمان للجميع، وعندما يزول هذا الغطاء، سيجد الجميع أنفسهم في العراء.
  • البديل قادم: عندما تضعف المركزية، تتفلت الأطراف.

وهذا يعني أن “المتنفذين” أو “المستفيدين من الوضع الحالي” سيكونون أول من يدفع الثمن، بينما ستكون القوى الحية (الشعب، النخب الفاعلة، الأطباء، الحقوقيون، رجال الأعمال) أمام واقع جديد بالكامل.

النتيجة العملية:

لا تكن “مشاهداً” لهذا التفكك، بل كن “مستعداً” لما بعده.

التغيير الذي يتحدث عنه كروك ليس مجرد تغيير سياسي، بل هو إعادة صياغة كاملة لموازين القوى في المنطقة.

من يظن أن الوضع سيبقى كما هو، فهو يغفل عن حقيقة أن الأرض قد بدأت فعلياً في الاهتزاز تحت المركز.

آخر الاخبار