عاجل:
كيف تحول غياب النقد إلى أداة لهدر ثروات السعودية؟
حدث وتحليل 2026-07-16 15:07 306 0

كيف تحول غياب النقد إلى أداة لهدر ثروات السعودية؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

في أوساط المراقبين، يتردد كثيرًا سؤال:

هل ما نشهده من تدهور اقتصادي وتغيير قسري للنسيج الاجتماعي هو نتيجة لخطة ممنهجة لتدمير البلد؟

الحقيقة أكثر مرارة؛ فالمشكلة ليست في “نية” مسبقة للتدمير، بل في “آلية حكم” ترفض الاستماع وتُجرّم النصح.

لقد أصبح القرار الفردي المطلق هو المحرك الوحيد، بينما تحول أي صوت ناقد -حتى لو كان خبيرًا اقتصاديًا أو رجل دين- إلى “خطر أمني” يستوجب السجن.

والنتيجة؟ بلد يُدار بعقلية الشركة الخاصة التي لا تخضع لرقابة، حيث يُمنع الموظفون والخبراء من قول “لا”، وحيث تصبح الأخطاء الكارثية محمية بجدار من القمع، فلا يملك أحد الشجاعة لتحذير صانع القرار من أن المشروع “مستحيل علمياً” أو “خاسر اقتصادياً” قبل أن يُهدر فيه المليارات.

 

القمع كحارس للفشل

إن ما نراه من مشاريع خيالية وقرارات اجتماعية صادمة ليس وليد صدفة.

فعندما يتم اعتقال عقول اقتصادية بحجم المهندس عصام الزامل لمجرد أنه قدم تحذيرًا علميًا حول مسار اكتتاب “أرامكو”، فإن الرسالة كانت واضحة للجميع: “الصمتُ أمان، والنقدُ جريمة”.

لقد حذر الزامل، الذي كان يُعد من أهم العقول الاقتصادية، من مغبة بيع أصول الشعب النفطية دون استراتيجية، فكان جزاؤه قائمة من التهم الملفقة.

وبعد سنوات، ثبتت دقة نبوءته؛ حيث فشل طرح أرامكو دولياً، واضطر النظام للقبول باكتتاب محلي بقيم أقل بكثير مما روج له الإعلام.

وتتكرر المأساة في المشاريع العملاقة؛ فقبل تنفيذ أي مشروع، يتم إقصاء الرأي الفني.

ولأن لا أحد يجرؤ على الاعتراض، دخلت الدولة في صفقات كبرى انتهت بالفشل والتكتم، مثل التخبط في مشاريع النقل داخل “نيوم”، وعقود القطارات فائقة السرعة مع شركات مثل (Webuild) الإيطالية، ومشاريع (Hyperloop) التي استنزفت المليارات دون أي أثر ملموس.

 الإعلام الرسمي يمارس التعتيم، والواقع يؤكد أن تكلفة المشاريع هي “مليارات ضائعة” سببها الأساسي هو “خوف المستشارين من قول الحقيقة”.

 

مفارقة الحكمة والواقع

إن غياب النقد هنا ليس مجرد “ضعف إداري”، بل هو تفريط في الأمانة العامة.

لقد قال عمر بن الخطاب يوماً: “رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي”، معتبراً النقد الصادق أثمن هدية تُقدّم للحاكم.

فإذا كان هذا حال عيوب الفرد، فكيف إذا كانت قرارات وسياسات أصبحت كوارث حقيقية تدمر البلاد والعباد؟

هنا تكمن الفجوة المخيفة؛ فبدلاً من أن تكون النصيحة ‘هدية’ تُحتضن لتجنب الهلاك، أصبحت ‘تهمة’ تُقَابَل بالسجن والقمع.

 

الفاتورة التي سيدفعها الجميع

إن القمع اليوم لا يحمي الوطن، بل يحمي الأخطاء من التصحيح.

لقد استُبدلت حكمة الماضي بسياسة ‘الصوت الواحد’، مما جعل القرار الوطني رهينةً لرغباتٍ لا تخضع للمراجعة، ومما جعل المواطن يدفع ضريبة هذه الأخطاء من قوته، ويجعل الأجيال القادمة ترث وطناً استُنزفت موارده وبُددت فرصه قبل أن يولدوا.

إن التاريخ لا يرحم من ظن أن بإمكانه بناء المستقبل على أنقاض الحقيقة، ولا يرحم من سكت عن قول الحق، ولا من اعتبر أن قمع الناصحين هو سبيلٌ للنجاة، بينما هو في الواقع -وبكل مقاييس الاقتصاد والسياسة- طريقٌ مختصرٌ نحو الهاوية."

آخر الاخبار