عاجل:
السلطات السعودية.. قاعدة أمريكية مهزوزة
الاخبار 2026-05-13 08:40 686 0

السلطات السعودية.. قاعدة أمريكية مهزوزة

نشر مركز "طوى" للأبحاث والدراسات دراسة مطوّلة تناولت التحولات التي تواجهها "السعودية" بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، مركّزاً على انعكاسات تلك الحرب على بنية التحالفات الخليجية، ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وتعقيدات العلاقة مع إيران،

إضافة إلى أزمة الرهان على مشاريع التطبيع والتحولات الاقتصادية والأمنية التي تقودها الرياض. وتقدّم الدراسة قراءة تعتبر أن الحرب الأخيرة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية كشفت هشاشة منظومة الأمن الخليجية، وأعادت طرح أسئلة كبرى حول موقع "السعودية" في الإقليم، وحدود قدرتها على المناورة بين واشنطن والقوى الدولية الأخرى.

 

وترى الدراسة أن "السعودية" خرجت من الحرب وهي تواجه معضلة مركّبة؛ فمن جهة، أثبتت المظلة الأميركية محدوديتها في حماية الحلفاء الخليجيين، ومن جهة ثانية لم تنجح سياسة "التحوط الاستراتيجي" والانفتاح على الصين وروسيا والقوى الآسيوية في إنتاج بدائل حقيقية للنفوذ الأميركي. وبين هذين المسارين، تجد الرياض نفسها أمام بيئة إقليمية مضطربة، وعلاقات شديدة التعقيد مع إيران، وضغوط أميركية متواصلة لدفعها نحو التطبيع مع إسرائيل.

 

 

 

معضلة التحالف مع واشنطن من "اتفاق الشرف" إلى المعاهدة المتعذرة:

 

 

 

تتوقف الدراسة مطولاً عند طبيعة العلاقة التاريخية بين "السعودية" والولايات المتحدة، معتبرة أن الحرب على إيران أعادت إحياء الشكوك السعودية القديمة تجاه صدقية الالتزام الأميركي بأمن الخليج. وتشير إلى أن الرياض سعت، خلال السنوات الأخيرة، إلى تحويل العلاقة مع واشنطن من مجرد تفاهمات سياسية وأمنية إلى معاهدة دفاعية رسمية شبيهة بما يربط الولايات المتحدة بحلفائها في "الناتو".

 

وبحسب ما أورده مركز "طوى"، فإن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حاول استثمار علاقته بإدارة دونالد ترامب، والتحولات التي شهدتها المنطقة بعد تراجع نفوذ حلفاء إيران في بعض الساحات، للحصول على التزام أمني أميركي واضح. ولهذا الغرض جاءت زيارة ابن سلمان إلى واشنطن أواخر عام 2025، حيث حملت ملفات تتعلق بالتطبيع، والتكنولوجيا، والاستثمارات، والتعاون العسكري والنووي.

 

غير أن نتائج تلك الزيارة، وفق الدراسة، بقيت دون سقف الطموحات السعودية. فالولايات المتحدة اكتفت بمنح "السعودية" صفة "حليف رئيسي من خارج الناتو"، إلى جانب توقيع اتفاقية دفاع استراتيجية لا تصل إلى مستوى الدفاع المشترك التلقائي. كما تضمنت التفاهمات موافقات أولية على صفقات تسليح متقدمة، بينها مقاتلات "إف 35"، لكن ضمن قيود تحفظ التفوق الإسرائيلي.

 

وتعتبر الدراسة أن الأزمة الحقيقية ظهرت مع اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في شباط/فبراير 2026، حين وجدت "السعودية" نفسها مرة أخرى خارج دائرة القرار، تماماً كما حدث خلال توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015. فالحرب شُنّت من دون أخذ الهواجس الخليجية بعين الاعتبار، رغم إدراك الرياض أن أي مواجهة واسعة مع طهران ستنعكس مباشرة على أمن الخليج ومنشآته النفطية.

 

وتعيد الدراسة التذكير بمحطة هجوم "أرامكو" عام 2019، والذي وصف حينها بأنه "لحظة بيرل هاربور" بالنسبة إلى قطاع الطاقة العالمي، حين لم تتلقَّ "السعودية" دعماً أميركياً مباشراً رغم ضخامة الخسائر. وترى أن تلك الحادثة كان يفترض أن تدفع الرياض إلى مراجعة شاملة لرهاناتها الأمنية، إلا أن القيادة السعودية بقيت أسيرة الاعتقاد بأن تغيير الإدارات الأميركية قد يعيد ترميم التحالف التقليدي.

 

 

 

التحوط الاستراتيجي مناورة لا قطيعة:

 

 

 

في سياق متصل، تشرح الدراسة كيف اتجهت "السعودية" خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع شبكة علاقاتها الدولية، عبر الانفتاح على الصين وروسيا والهند وباكستان، في محاولة لتخفيف الارتهان الكامل للولايات المتحدة.

 

لكن مركز "طوى" يرى أن هذا التحول لم يصل إلى مستوى الانفكاك الحقيقي عن الغرب، بل بقي في إطار الضغط والمناورة لتحسين شروط العلاقة مع واشنطن. فالتقارب مع الصين، على سبيل المثال، لم يكن فقط اقتصادياً، بل شمل مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والطاقة والأمن السيبراني.

 

وتشير الدراسة إلى أن زيارة ابن سلمان إلى بكين عام 2019، والتي شهدت توقيع اتفاقيات بعشرات المليارات، مثّلت رسالة مباشرة للأميركيين بأن "السعودية" تمتلك خيارات أخرى. كما استحضرت الدراسة تصريحات لولي العهد السعودي قال فيها إن "الإمكانات العالمية تكمن في السعودية"، وإن تجاهلها سيدفعها إلى التوجه شرقاً.

 

مع ذلك، تؤكد الدراسة أن هذا "التحوط الاستراتيجي" بقي محدوداً، لأن البنية العسكرية والاقتصادية السعودية ما تزال مرتبطة عضوياً بالغرب. فالقوات المسلحة السعودية تعتمد بصورة شبه كاملة على التسليح الأميركي والغربي، كما أن مشاريع "رؤية 2030" نفسها مرتبطة بالشركات والاستثمارات والتكنولوجيا الغربية.

 

وترى الدراسة أن الحرب الأخيرة على إيران كشفت أيضاً محدودية هذا التحوط؛ إذ لم تنجح الشراكات الجديدة في ردع واشنطن أو منعها من خوض الحرب، كما لم توفّر حماية فعلية للخليج أثناء التصعيد العسكري.

 

 

 

العلاقة مع إيران.. تهدئة هشة وصراع مستمر:

 

 

 

واحد من المحاور الأساسية التي تناولتها الدراسة هو طبيعة العلاقة المعقدة بين "السعودية" وإيران، والتي اعتبرت أنها دخلت مرحلة جديدة بعد الحرب الأخيرة.

 

ويشير التقرير إلى أن "اتفاق بكين" عام 2023، الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ساهم في تخفيف التوتر المباشر وفتح قنوات التواصل، لكنه لم يعالج جذور الصراع الاستراتيجي. فالتنافس على النفوذ الإقليمي، والخلاف حول الوجود الأميركي في الخليج، والتباين في الموقف من "إسرائيل"، كلها ملفات بقيت قائمة.

 

وترى الدراسة أن الرياض اقتنعت، بعد سنوات من المواجهة، بأن خيار الصدام المفتوح مع إيران مكلف وغير مضمون النتائج، خصوصاً بعد تعثر الحرب في اليمن، وتراجع الحماسة الأميركية للمواجهة المباشرة خلال عهد جو بايدن. ولهذا اتجهت إلى سياسة أكثر براغماتية، شملت الحوار مع طهران والانفتاح على دمشق والسعي للخروج من المستنقع اليمني.

 

لكن الدراسة تؤكد في المقابل أن حالة العداء لم تنتهِ فعلياً، بل دخلت مرحلة أكثر هدوءاً. وتستشهد باستمرار الحملات الإعلامية السعودية ضد إيران، إضافة إلى استمرار الاتصالات غير المعلنة المرتبطة بمشاريع التطبيع والتحالفات الإقليمية.

 

كما تضيء الدراسة على النظرة الإيرانية إلى المشاريع الاقتصادية الجديدة التي تشارك فيها "السعودية"، مثل "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا"، باعتبارها محاولة لعزل إيران جيوسياسياً ومحاصرتها اقتصادياً.

 

وفي سياق الحرب الأخيرة، يلفت مركز "طوى" إلى أن الموقف السعودي بدا متردداً ومشوّشاً؛ ففي العلن شاركت الرياض في جهود إقليمية لمنع الحرب، لكنها عملياً لم تكن قادرة على منع الولايات المتحدة من استخدام البنية العسكرية الخليجية في العمليات ضد إيران، سواء عبر القواعد الجوية أو مراكز الرادارات أو التزود بالوقود.

 

وتشير الدراسة إلى أن الضربات الإيرانية على مواقع عسكرية في الخليج كشفت هشاشة المنظومة الدفاعية الأميركية، وطرحت تساؤلات عميقة داخل الخليج حول جدوى استضافة القواعد الأجنبية إذا كانت عاجزة عن حماية نفسها فضلاً عن حماية الدول المضيفة.

 

 

 

التطبيع و"رؤية 2030.. أزمات تتفاقم:

 

 

 

تخصص الدراسة مساحة واسعة للحديث عن ملف التطبيع مع كيان العدو، معتبرة أن الحرب على غزة ثم الحرب على إيران دفعتا الرياض إلى إعادة صياغة مقاربتها لهذا الملف.

 

فبحسب الدراسة، كانت "السعودية" قبل السابع من أكتوبر أقرب من أي وقت مضى إلى اتفاق تطبيع مع "إسرائيل"، لكن الحرب على غزة وما رافقها من غضب شعبي عربي وإسلامي أجبرت الرياض على تجميد المشروع مؤقتاً. إلا أن الدراسة تؤكد أن التطبيع لم يُسحب نهائياً من الأجندة السعودية، بل جرى ربطه بصفقة أشمل تتعلق بالضمانات الأمنية الأميركية، والدعم التكنولوجي، والبرنامج النووي المدني، وما يسمى "المسار الواضح" للدولة الفلسطينية.

 

ويرى مركز "طوى" أن الإدارة الأميركية ما تزال تنظر إلى التطبيع السعودي – الإسرائيلي باعتباره حجر الزاوية في إعادة تشكيل المنطقة، خصوصاً بعد الخسائر التي تكبدتها "إسرائيل" في المواجهة مع إيران.

 

وفي الجانب الاقتصادي، تعتبر الدراسة أن "رؤية 2030" تواجه أزمة متفاقمة منذ ما قبل الحرب، وأن التصعيد الإقليمي زاد الضغوط على الاقتصاد السعودي ومشاريعه الكبرى. وتستشهد الدراسة بالتعثر الذي يواجهه مشروع "نيوم"، وبارتفاع الكلفة الأمنية والعسكرية، وتراجع الثقة بإمكانية تحقيق الاستقرار اللازم لجذب الاستثمارات الضخمة التي تحتاجها الخطة.

 

كما تشير إلى أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا والشراكات الغربية يجعل "رؤية 2030" مرتبطة بمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب، ما يحدّ من قدرة الرياض على التحول الكامل نحو الشرق.

 

 

 

الخليج أمام مرحلة ضياع استراتيجي:

 

 

 

في خلاصة الدراسة، يرى مركز "طوى" أن الخليج يعيش حالة "ضياع استراتيجي" بعد الحرب على إيران، نتيجة اهتزاز الثقة بالمظلة الأميركية، وعدم وجود بدائل مكتملة، واستمرار التوتر مع إيران، وتعثر مشاريع التحول الاقتصادي.

 

وتعتبر الدراسة أن "السعودية" تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فهي تدرك أن المواجهة المفتوحة مع إيران تحمل مخاطر هائلة، لكنها في الوقت نفسه غير قادرة على بناء نظام أمني إقليمي مستقل عن الولايات المتحدة. كما أن رهاناتها على الشراكات المتعددة لم تنتج حتى الآن توازناً حقيقياً مع النفوذ الأميركي.

 

وتنتهي الدراسة إلى أن السنوات المقبلة قد تدفع الرياض نحو مراجعة أعمق لسياساتها الخارجية والأمنية، لكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه المراجعة ستقود إلى تحولات فعلية، أم إلى إعادة إنتاج سياسة "المناكفة" وشراء الوقت التي حكمت سلوكها خلال العقود الماضية.

 

آخر الاخبار