عاجل:
مجلس التعاون الخليجي... جعجعة بلا طحين
الاخبار 2026-05-13 08:35 468 0

مجلس التعاون الخليجي... جعجعة بلا طحين

لم ينجح مجلس التعاون لدول الخليج العربية في التحوّل إلى كتلة سياسية متماسكة ومستقرّة، بقي في منطقة وسط بين البقاء والانهيار

بقلم: علي العبدالله...

 

لم ينجح مجلس التعاون لدول الخليج العربية في التحوّل إلى كتلة سياسية متماسكة ومستقرّة، بقي في منطقة وسط بين البقاء والانهيار، وكانت قراراته وخياراته ردّات فعل على المستجدات الإقليمية والدولية أكثر منها استراتيجيةً واضحةً وخططاً وبرامجَ تستهدف مستقبلاً منشوداً، وقد شهد في العقود التي مرّت على تأسيسه اضطراباً في العلاقات بين دوله على خلفية التنافس بين قادته على المواقع في توازن قوى داخله، وعلى الخيارات السياسية والتصوّرات الجيوسياسية لموقعه ودوره في المجال العربي والإقليمي والدولي.

 

تأسس المجلس عام 1981 من السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان لاحتواء تداعيات التطوّرات العاصفة والحروب المدمِّرة في محيطها الإقليمي بتشكيل تكتّل سياسي واقتصادي وازن لضمان الأمن الجماعي لأنظمتها، في بيئة تموج بالتحوّلات والتطوّرات العنيفة: الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1991)، الاحتلال السوفييتي لأفغانستان (1979– 1989) وما أحدثه من هزّات ارتدادية في العالمَين العربي والإسلامي، والحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) وما انطوت عليه من مخاطر أمنية واجتماعية وتبعات جيوسياسية جسّدها نهوض الشيعة العرب تحت تأثير التحريض الإيراني وتشكيلهم مليشيات مسلّحة، والاجتياح الصهيوني للبنان (1982).

 

وقد أسّست دوله في 1982 قوّةً عسكريةً مشتركةً تحت اسم "قوّات درع الجزيرة"، تتكوّن من قوّات برّية قوامها 35 ألف جندي، واختارت قاعدة الملك خالد العسكرية بحفر الباطن في السعودية مقرّاً دائماً لها، وطُوّرت لاحقاً لتصبح قوّةً مشتركةً متكاملةً، قبل أن تداهمها التطوّرات العاصفة والحروب المدمِّرة وتهدّد أمنها واستقرارها باحتلال النظام العراقي الكويت، وبدء عمليتَي "درع الصحراء" (1990) لحماية السعودية، و"عاصفة الصحراء" (1991) لتحرير الكويت، وما ترتب عنها من تمرّد ضدّ النظام العراقي، شيعي في الجنوب وكردي في الشمال، وفرض عقوبات على النظام العراقي، ومنطقة حظر طيران في الشمال أفسحت المجال لقيام شبه دولة في كردستان العراق. وكشفت عملية تحرير الكويت ضَعف "درع الجزيرة" التكتيكي والاستراتيجي، وجرت محاولات لتطويرها، فحُوّلت في 2006 من قوّة رمزية برّية محدودة إلى "قوّات درع الجزيرة المشتركة"، وأصبحت عام 2009 قوّات تدخّل سريع، وعام 2013 "قيادة قوّات درع الجزيرة". وكانت آخر مساهمة ميدانية لها هي التدخّل في البحرين عام 2011 لقمع تظاهرات الشيعة ضدّ نظام بنو خليفة.

 

ترتّب عن احتلال العراق الكويت وتدخّل قوّات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحريرها، بعد ما تبيّن عجز القوّة الذاتية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في صدّ العدوان، وتحوّلت الولايات المتحدة إلى ضامن رئيس لأمن دول "المجلس"، أن كثّفت القوّات الأجنبية في المنطقة، معزّزةً قواعدها في السعودية (قاعدة الأمير سلطان) والبحرين (قاعدة الجفير) وقطر (قاعدة العديد) والكويت (قاعدة عريفجان) والإمارات (قاعدة الظفرة). وأدّت إطاحة النظام العراقي عام 2003 إلى إزالة الخصم الرئيس للنظام الإيراني، ما مكّن الأخير من توسيع نفوذه في المنطقة والتحرّش بدول "المجلس"، ما عزّز خيار الاعتماد على الحماية الأميركية لدى هذه الدول، ودفعها إلى تقديم مغريات وخدمات للإدارات الأميركية المتتالية كي تواصل القيام بالمهمة: التوسّع في شراء أسلحة أميركية أكثر من حاجتها، وتلبية طلباتها المرتبطة بالعرض والطلب في سوق الطاقة.

 

جاءت ردّات فعل دول مجلس التعاون على ثورات الربيع العربي متباينةً إلى حدّ التعارض على خلفية الموقف من دور حركات الإسلام السياسي في هذه الثورات ونجاح بعضها في الوصول إلى السلطة (تونس ومصر)، فانقسمت إلى مؤيّدة لها (قطر بشكل خاص) ومعارضة لها (السعودية والإمارات والبحرين) وحيادية إلى حدّ ما (الكويت وعُمان)، تحوّل التباين إلى تنافس جيوسياسي من خلال تقديم دعم لقوى الثورة في مقابل تقديم دعم لقوى الثورة المضادّة. تطوّر التنافس إلى فرض حصار على قطر من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، بذريعة "دعم وتمويل الإرهاب وقربها من إيران"، ومقاطعة شاملة مع قطع العلاقات الدبلوماسية امتدت من عام 2017 إلى عام 2021.

 

عرفت هذه الفترة دخول العلاقات بين السعودية والإمارات في شهر عسل طويل، راجت روايات عن دور يلعبه ولي عهد أبوظبي آنذاك، محمّد بن زايد، في التأثير في سياسات ولي العهد السعودي محمّد بن سلمان وخياراته، تجسّد في موقفيهما المتطابقين من التطوّرات في ليبيا وتونس وسورية، والتنسيق بينهما في معركة "عاصفة الحزم" ضدّ حركة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن عام 2015، قبل أن يبدأ التنافس الجيوسياسي والاقتصادي في بذر بذور الشقاق بينهما على خلفية التحرّك السعودي للاستحواذ على المركز الإقليمي للتقنية والذكاء الاصطناعي، عبر الضغط على الشركات لنقل مقارّها من الإمارات إلى السعودية؛ ودخول العلاقات مرحلة فتور عبّر عنه إعلان الإمارات عام 2019 خفض وجودها العسكري في اليمن مع الإبقاء على دعم استخباري ولوجستي، وسحبت أبوظبي قوّاتها بالكامل في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025، بعد شنّ قوّات التحالف بقيادة السعودية غارات جوّية على ما قالت إنّه "شحنة أسلحة" متّجهة إلى الانفصاليين المدعومين من الإمارات في المُكلّا (جنوبي اليمن)، والتركيز على مكافحة الإرهاب.

 

وكشف تحقيق أجرته "بي بي سي" أنّ الإمارات استأجرت منذ عام 2015 مرتزقةً أميركيين للقيام باغتيالات بدوافع سياسية في اليمن، استهدفت أغلب هذه الاغتيالات قياديين في حزب الإصلاح (تنظيم إسلامي سنّي تراه الإمارات خطراً عليها)، ودعم القوّات المحلّية، خصوصاً المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد تعمّق الفتور، وتحوّل إلى نوع من القطيعة غير المُعلَنة بعد التباين الصارخ في المواقف من ملفّات عربية: إقامة قاعدة تجسّس صهيونية في جزيرة سقطرى اليمنية، والصراع في السودان، والموقف من تبعات الإبادة الجماعية التي نفّذها الكيان الصهيوني في قطاع غزّة ومن حقوق الشعب الفلسطيني، وقد غيّرت الإبادة الجماعية التي نفّذها الكيان الصهيوني المزاج العام في السعودية، ما دفعها إلى تحديد خياراتها بعيداً من الكيان. أضف إلى ذلك الموقف من محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي (تأسّس في 11 مايو/ أيار 2017) استعادة ما يسمّيه "دولة الجنوب العربي" بالانفصال عن اليمن المُوحَّد، وتطوّرات أخرى إقليمية تمثّلت في انخراط الإمارات في الاتفاقات الإبراهيمية عام 2020، ودعمها مذكّرة تفاهم وقّعها إقليم أرض الصومال مع إثيوبيا، ويمنح الأخيرة حقّ الوصول إلى البحر الأحمر وإقامة قاعدة عسكرية في شريط ساحلي بمنطقة بربرة بطول نحو 20 كيلومتراً مدّة 50 عاماً مقابل الاعتراف بالإقليم المنشقّ، على الرغم من اعتراض الحكومة الاتحادية في مقديشو، ناهيك عن التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومساعدته في إقامة علاقات دبلوماسية مع جمهورية أرض الصومال، واستثمار أموال في الشركات الصهيونية، وتعزيز التعاون العسكري معه، وإطلاق مناورات عسكرية مشتركة، كما أرسل الكيان الصهيوني منظومة القبّة الحديدية للدفاع الجوي مع طواقم عسكرية لتشغيلها إلى الإمارات في وقت مبكّر من الحرب الأميركية الصهيونية على إيران، كما زوّدها بأنظمة أسلحة متطوّرة لم يكن الكيان قد استخدمها بعد.

 

لم تكن الحرب/ العدوان على إيران بالنسبة إلى دول "المجلس" حرباً بين آخرين، إذ قادت تطوّرات الحرب إلى إقامة توازن قوى داخل إيران وضع الحرس الثوري في رأس هرم القوّة، ما عمّق مخاوف هذه الدول من إيران بعد أن قصفت منشآتها النفطية وبناها التحتية، وأدى ذلك إلى شعورها بالانكشاف، وسيادة قناعة في الخليج بأنّ الدعم الأميركي لم يكن متناسباً مع التهديد الذي تعرّضت له دوله، خاصّةً أنّ الإدارة الأميركية لم تتشاور معها قبل بد الحرب/ العدوان، ما دفعها، وفق تسريبات صحافية، إلى مطالبة ترامب بإكمال المهمّة، ما سيبرّر طلب ترامب منها دفع كلفة الحرب.

 

قادت الحرب العدوانية، الأميركية – الصهيونية، على إيران، وعدوان إيران على دول مجلس التعاون، إلى إطلاق إعلانات التضامن بينها، بما في ذلك السعودية والإمارات، جمعتهم الأزمة، خصوصاً بعد إغلاق إيران مضيق هرمز، وتوقف عمليات تصدير النفط والغاز، وتبعات ذلك ليس على العوائد المالية فقط، بل وعلى سلامة آبار النفط والغاز ومحطّات التكرير، لكن من دون أن تنهي حالة الفتور، إذ لم يحضر رئيس الإمارات محمّد بن زايد قمّة "المجلس" في جدّة يوم 28 إبريل/ نيسان 2026، من دون أن يقاطعها بالكامل، فأرسل وزير خارجية بلاده إلى القمّة، تلاها قراره (1/5/2026) الانسحاب من منظّمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) و"أوبك بلس" ومنظّمة الدول العربية المصدرة للبترول (أوابك). 

 

ذهبت تقديرات المحلّلين والمعلّقين السياسيين إلى تبنّي نظرة تشاؤمية حول مستقبل مجلس التعاون، فتوقّع بعضهم بقاءه جسداً بلا روح، ورجّح آخرون، في ضوء الشروخ العميقة التي ضربته وعرقلة تحوّله إلى تكتّل عسكري وسياسي مُوحَّد، اعتماد كلّ نظام سياسي في دوله سياسةً خاصّةً به، في حين قدّر معلّق ثالث ذهاب السعودية والإمارات نحو حرب أسعار مفتوحة في ضوء عزم الإمارات رفع حصّتها في سوق النفط والغاز، واعتبر رابع انفجار الخلاف في هذا التوقيت في غير صالح النظامين، لأنّهما في حاجة إلى التنسيق بين مواقفهما لمواجهة نتائج الحرب القائمة في حال لم تستسلم إيران لشروط ترامب ودفعها للتنازل للخروج من ورطته (وقد عكس حديث ترامب عن "وميض" فوق إيران، في تهديد ضمني باستخدام أسلحة نووية ضدّ طهران، نفاد صبره واشتداد الطوق حول عنقه)، وهنا ستجد الرياض وأبوظبي نفسيهما في مواجهة إعلان المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي إخضاع دول "المجلس"، مع احتمال أن يدفع ترامب على حساب دول "المجلس" لمنح إيران حقّ السيطرة على مضيق هرمز، وفرض رسوم عبور لإقناعها بقبول حلّ يمنحه صورة منتصر، ووجود تلميحات لتحميل دول الخليج فاتورة الحرب التي تكلّفتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بذريعة أنّ الحرب كانت لأجل الدفاع عنها ضدّ التهديد الإيراني المتواصل.

 

تقول تقديرات "إنّ الحرب أعطت إيران فرصة بسط سيطرتها، ليس على مضيق هرمز فقط، بل وعلى الخليج بأكمله"، لذا، تحتاج دول "المجلس" إلى اعتماد بوصلة لسياساتها المحلّية، بالكفّ عن التنافس الذي يضرّها جميعاً، ويدفعها إلى تقديم تنازلات لقوى خارجية مقابل إسناد بعضها ضدّ بعضه، وعليها أن توثّق العلاقات وتعمل لتفعيل مرتكزات النظام الإقليمي العربي؛ فالتعاون والتنسيق العربيين يعزّزان أوراقها، ويشكّلان لها مظلّةً سياسيةً وأمنيةً تزيد قدراتها الذاتية. 

 

آخر الاخبار