تنتشر ظاهرة الفساد المالي والاداري في مؤسسات المملكة العربية السعودية بشكل مريع، وتتفاقم هذه الظاهرة بشكل متطرد والبلاغات التي تصل إلى هيئة مكافحة الفساد تُظهر حجم الكارثة التي تنخر عظام المؤسسات الحكومية، وبالرغم من أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أسس لجنة عليا لمكافحة الفساد في 4 نوفمبر/ تشرين الأول 2017 وأنهى عملها في يناير من العام الجاري ولكي يمتص الانتقادات جراء انهاء عمل هذه اللجنة أسس مكتبا للتقارير المالية لكشف ما يصفه المخالفات والتجاوزات المالية.
تغيرت الأسماء والأهداف واحدة
صحيح ان ابن سلمان يحاول ايصال فكرة مفادها أنه نجح في مكافحة الفساد وطوى صفحة سوداء من تاريخ المملكة، لكن يبدو أن ولي العهد لا يدري أن الكتاب الذي يحمله ملئ بالصفحات السوداء وما فعله ابن سلمان خلال المرحلة الماضية أضاف سوادا للسواد، لأن جميع أساليبه التي زعم انها لمعالجة الفساد الاداري في المملكة كانت آنية ولحظية وتحمل في طياتها أهدافا سياسية، ولكن دعونا نقول أننا أخطأنا التقدير في هذه المسألة ولنمر سويا على آلية مكافحة الفساد في المملكة وأسباب فشلها:
أولاً: خلال مرورنا على الدراسات العلمية المنشورة حول موضوع الفساد في المملكة السعودية، وجدنا أن عدد هذه الدراسات ضئيل جدا ومحدود، وبرز من خلال ما قرأناه مظاهر الفساد الاكثر شيوعا في البلاد والتي تمثلت بالواسطة والمحسوبيات، وهدر الوقت العام وضعف الالتزام بساعات العمل، والتزوير والرشوة وإساءة استعمال السلطة.
النقطة الأخيرة ظهرت بشكل واضح في سلوك ولي العهد الذي قاد عملية مكافحة الفساد بنفسه، إذ أقدم الأمير الشاب على اقالة كل من شعر أنه يقف حجر عثرة في طريقه ابتداءا من عمه مقرن الذ كان وليا للعهد ثم ابن عمه محمد بن نايف الذي تم تنصيبه وليا للعهد خلفا لمقرن مرورا بوزير الحرس الوطني السابق وصولا إلى أقرب الناس اليه أمثال الجبير والقحطاني وغيرهم، هذا من الناحية السياسية أما من الناحية المالية فقد أقدم ابن سلمان على شراء أغلى يخت " 550 مليون دولار"، أغلى قصر "300 مليون دولار" وأغلى لوحة "450 مليون دولار" في الوقت الذي كان يحارب فيه الفساد ويفرض تقشفا على الشعب.
والجميع بات يعرف أن غاية ابن سلمان كانت تعزيز سيطرته على مفاصل الدولة تمهيدا لما أسموه “نقل سلس للسلطة” إليه.
ثانياً: يعد غياب الشفافية أبرز ما يؤخذ على الحملة منذ بداية انطلاقها عقب إصدار العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، في 4 نوفمبر/ تشرين الأول الماضي، أمرا بتشكيل لجنة عليا برئاسة نجله ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، للتحقيق في قضايا الفساد، واتخاذ ما يلزم تجاه المتورطين، وحتى بيان النائب العام السعودي الصادر والذي حمل محصلة لنتائج الحملة منذ انطلاقها.
فقد أشار النائب العام في بيانه إن العدد الإجمالي لمن تم استدعاؤهم من قبل اللجنة بلغ ( 381 ) شخصاً، وبين إن عددا كبيرا منهم تم استدعاؤهم للإدلاء بشهاداتهم، وبالتالي غير معروف العدد الفعلي المتهم في قضايا الفساد.
ويؤخذ على الحملة احتجاز الموقوفين بقضايا فساد، في مكان غير رسمي للاحتجاز، وهو فندق الريتز كارلتون، وعدم عرضهم على القضاء، لحسم إدانتهم من عدمه. أيضا يؤخذ على الحملة الانتقائية في الحرب على الفساد عبر تحديد أشخاص بعينهم، وكما يرى فريق من المراقبين أن جميع ذلك يندرج ضمن قائمة الفساد.
أيضا ثمة مؤشرات تؤكد إن التسويات التي تمت مع الموقوفين بقضايا الفساد في السعودية تتجاوز التسويات المالية إلى تسويات سياسية، وهو ما اتضح من خلال أكثر من مشهد، من أبرزها الاحتفاء أمام وسائل الإعلام الرسمية من قبل ولي العهد السعودي بالأمير متعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني السابق في أول ظهور له نهاية ديسمبر الماضي بعد الإفراج عنه.
أيضا عودة وزير الدولة ، إبراهيم العساف، وزير المالية السابق، والذي يعد أقدم وزير سعودي، ويعتقد أنه بمثابة خزينة معلومات عن المملكة، فور إطلاق سراحه للمشاركة في جلسات مجلس الوزراء بداية الشهر الجاري، بل وترؤوس وفد المملكة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، في مدينة دافوس السويسرية الذي عقد قبل أيام.
ثالثاً: من أهم أسباب الفساد الإداري والمالي في المملكة العربية السعودية ضعف الوازع الديني والأخلاقي، وتطور متطلبات الحياة شجع بعض الموظفين على الرشوة، وعدم سن الأنظمة والتشريعات الصارمة المصحوبة بالإجراءات الوقائية، وغياب الرقابة الداخلية، وضعف الرقابة الداخلية الوقائية في الأجهزة الحكومية وعدم تقيّدها بالأنظمة المالية.
أما آثار ظاهرة الفساد الادراي والمالي على الاقتصاد الوطني فتتمثل في انحراف خطط التنمية عن مسارها، وتعطيل تنفيذها وبلوغ أهدافها في الأوقات المحددة. وتدني مستوى الخدمات والمشاريع الحكومية، وانتشار البطالة الحقيقية والبطالة المقنعة، وتسرب الكفاءات والأشخاص المخلصين من الأجهزة الحكومية نتيجة الإحباط وعدم الشعور بالعدالة، فضلا عن تفشي الرشاوي والمحسوبيات بين أفراد المجتمع، هذا باالإضافة إلى انعدام الثقة بين أفراد المجتمع والمسؤولين في الجهاز الحكومي، وبطء عجلة التقدم والنمو الاقتصادي والثقافي والعشوائية في التعيين والترقيات دون النظر للمصلحة العامة. ومن آثاره كذلك على النمو الاقتصادي بالمملكة تعثر المشروعات الحكومية ، الأمر الذي يؤدي إلى تأخر التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
بالمحصلة سنعرض لكم نسب تظهر مدى ثقة المواطن بالحكومة ومدى جدوى حملات ابن سلمان الأخيرة لمكافحة الفساد:
وفقا لدراسة حديثة من داخل الممكلة يرى نحو 63,5% من الشعب أن الفساد المالي أصبح أكثر انتشارًا في الوقت الراهن مما كان عليه خلال السنوات الخمس الماضية، في حين يرى أقل من ثلث الشعب أن لاتغيير يذكر عما كان عليه الوضع سابقاً، ويشير أقل من 10 %من الشعب إلى أن الفساد المالي أقل انتشارًا في الوقت الراهن. - أما الفساد الاداري، فيرى أكثر من نصف الشعب أنه أكثر انتشاراً في الوقت الراهن مما كان عليه في السنوات الخمس الماضية، في حين يرى أقل من ثلث الشعب أن لا تغيير يذكر، ويرى 15 %من العينة أن الفساد الإداري أقل انتشارًا في الوقت الحالي مما كان عليه في السابق.