عاجل:
صحوة أم خدعة؟!  قراءة في انشقاقات منظومة “الذباب” السعودي
حدث وتحليل 2026-08-31 15:08 704 0

صحوة أم خدعة؟! قراءة في انشقاقات منظومة “الذباب” السعودي

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

تشهد الساحة الرقمية موجة جديدة ومثيرة للجدل، تتمثل في قفز أفراد من شبكات “الذباب الإلكتروني” من سفينة النظام والتحول إلى الهجوم المباشر على رأس السلطة ومحيطه المقرب.

يثير هذا المشهد تساؤلاً جوهرياً:

هل نحن أمام صحوة ضمير و"توبة" متأخرة، أم أننا نشهد ارتدادات لحرب نفوذ داخلية واستخباراتية تستخدم الأدوات نفسها لإعادة رسم موازين القوى؟

 

أولاً: أجهزة وظيفية لا “حراكاً شعبياً”

من الضروري ابتداءً تفكيك ماهية هؤلاء الأفراد؛ فالذين يُطلق عليهم “الذباب الإلكتروني” ليسوا مجرد مواطنين تحركهم حماسة عفوية، بل هم تروس في ماكينة إعلامية-أمنية بالغة التنظيم، أُديرت بمركزية مشددة من داخل أروقة الديوان الملكي.

والدليل الأبرز على طبيعتهم الوظيفية هو “التحول الفوري والموجَّه”؛ حيث خاضت هذه المنظومة لسنوات حملات شرسة ومبرمجة لشيطنة خصوم سياسيين (مثل قطر وتركيا إبان فترات التوتر)، ثم تحولت بقرار واحد وفي ليلة وضحاها إلى الترويج للأخوة وتطبيع العلاقات بمجرد تغير الإرادة السياسية.

هذه المرونة المطلقة في التبديل ليست تعبيراً عن رأي حر، بل هي خضوع كامل لتعليمات غرفة العمليات المركزية.

 

ثانياً: لماذا تبدو فرضية “صحوة الضمير” غير متماسكة؟

الافتراض بأن ما يحدث مجرد “يقظة أخلاقية” يواجه عدة ثغرات بنيوية، أبرزها:

1.      طبيعة التأهيل والتورط: هؤلاء لم يكونوا ضحايا مغرر بهم، بل جزءاً من منظومة التضليل والتنمر الرقمي؛ حيث تشكلت مسيرتهم المهنية حول الولاء المطلق للمصلحة المالية والأمنية.

2.      معادلة الرهائن والضغط العائلي: تاريخياً، لا يترك الجهاز الأمني عناصره يغادرون المنظومة بأريحية دون ملاحقة؛ وتجربة استهداف عوائل الشخصيات المغادرة (كما جرى مع أسرة سعد الجبري) تؤكد أن الجرأة على الظهور العلني ومهاجمة الدائرة الحاكمة تتطلب عادة إما حماية بديلة أو ضوءاً أخضر خلفياً.

3.      مركزية الموارد: لا يمكن عزو هذه الانشقاقات إلى “أزمة تمويل” أو انهيار شركات وسيطة، فالمنظومة ترتبط مباشرة بتمويل خزينة الدولة، وحجم الإنفاق الدعائي لا يزال في ذروته.

4.      استمرار دوافع الصراع: الملفات التي وظفوا من أجلها (القمع الداخلي، الاستقطاب الإقليمي، ملف المعتقلين) لم تنتهِ فجأة لتبرر “صحوة مفاجئة” في هذا التوقيت تحديداً.

 

ثالثاً: السيناريوهات الواقعية لدوافع التحول

إذا استبعدنا العامل الأخلاقي كدافع رئيسي، تنحصر التفسيرات ضمن مسارين رئيسيين:

 

1. ارتدادات الصراع داخل النخبة وأجنحة الحكم (الاحتمال الأبرز)

أدت إعادة هيكلة الحكم وتركيز السلطة المطلقة وتهميش الفروع التقليدية للأسرة الحاكمة (عزل محمد بن نايف، واحتجاز وتجريد أبناء فهد وعبدالله وأمراء آخرين من نفوذهم) إلى توليد مراكز قوى مقصية، تملك شبكات علاقات وموارد استخباراتية ومالية غير معلنة.

ما يدعم هذه الفرضية هو طبيعة الخطاب الجديد للمنشقين؛ إذ يركز أغلبهم على استهداف شخص ولي العهد ومساعديه المباشرين (كسعود القحطاني)، بينما يتم تحييد بقية مؤسسة الحكم أو استعطاف الملك والأسرة.

هذا الخطاب يعكس غالباً تصفية حسابات داخلية وإعادة استخدام الأدوات الرقمية نفسها كأوراق ضغط في صراع الأجنحة، وليس رغبة في التغيير الشامل.

 

2. اختراق المعارضة والتضليل الممنهج (التكتيك الأمني)

يمتلك الجهاز الأمني سجلاً موثقاً في إدارة العمليات المعقدة، بدءاً من اختراق منصات التواصل وتوظيف الجواسيس داخلها لتعقب المعارضين، وصولاً إلى استدراج الشخصيات المنتقدة.

ومن هذا المنطلق، قد تكون بعض حالات “الانشقاق” عمليات مصممة لأهداف محددة:

  • اختراق مجتمعات المعارضة في الخارج وبناء جسور ثقة وهمية.
  • جمع معلومات تفصيلية عن شبكات الدعم والناشطين.
  • إرباك المشهد المعارض وتوجيه بوصلته نحو صراعات جانبية أو مصادر معلومات مضللة.

 

رابعاً: قواعد التعامل للمعارضة والناشطين

أمام هذه المعطيات، تتطلب المسؤولية السياسية والأمنية التعامل مع موجة الانشقاقات بحذر منهجي:

1.      تجنب الاندفاع في الترحيب: لا ينبغي منح صفة “البطولة” أو الشرعية المسبقة لأي صوت قادم من داخل المنظومة قبل التحقق الاستقصائي من الخلفيات والدوافع.

2.      اليقظة الأمنية والتقنية: عدم التعامل مع أي روابط، ملفات، أو قنوات اتصال شخصية يقدمها المنشقون دون عزل تقني صارم وبروتوكولات أمن رقمي متقدمة.

3.      فصل التوثيق عن التوظيف السياسي: التعامل مع ما يُقدم بوصفه “معلومات وقرائن” تحتاج للتوثيق والتقاطع، لا بوصفه صكوك تحالف سياسي مجاني.

4.      الحذر من التحول إلى أدوات في صراع نخبوي: تفكيك رواية الاستبداد لا يعني تبني جناح مقصي ضد جناح حاكم؛ فالاستبداد منظومة متكاملة، والصراع العائلي على النفوذ ليس بديلاً عن دولة المؤسسات والعدالة.

5.      الأرشفة والتوثيق المستقل: ضرورة حفظ جميع الإفادات والتسجيلات على منصات وأراشيف مستقلة غير قابلة للحذف، لتوثيق آليات عمل ماكينة البروباغندا واستخدامها في المسارات الحقوقية المستقبلية.

 

خاتمة

إن تصدع المنظومات التي تعتمد على الولاءات المالية المشتراة هو نتيجة حتمية لطبيعة تلك الأدوات؛ فالمرتزق الرقمي ينقلب حين تتغير شروط المعادلة أو تتبدل موازين القوة الراعية.

وسواء كانت هذه الانشقاقات صدى لحرب خفية داخل القصر، أو تكتيكاً استخباراتياً مركباً، فإن الواجب لا يقتضي التصديق العاطفي، بل القراءة الباردة والتحصين الأمني، وإدراك أن من كان جزءاً من ماكينة القمع لا يتحول إلى شريك في التغيير إلا باختبار الحقائق والمساءلة.

آخر الاخبار