بقلم: سعد الله مزرعاني/ كاتب لبناني...
معادلة «الحرب من طرف واحد» أرستها ورعتها واشنطن أساساً، لمصلحة تل أبيب. تمّ اختبار ذلك بنجاح لافت في الحروب المتواصلة في الشرق الأوسط: فلسطين (غزّة والضفة حالياً) ولبنان، وإيران نسبياً... طبعاً. هذه المعادلة ما زالت مستمرة عبر «خطة ترامب» بشأن غزّة، و»خطة بايدن» لعام 2024، ومن ثم «اتفاق الإطار» الأميركي الثلاثي بشأن لبنان في 26/6/2026. تلك كانت مناورة لتجاوز عقبات وتوازنات في مجرى الحرب: سعياً من أجل تجاوزها، ثم استئناف الحرب من طرف واحد، تحت عنوان وقف إطلاق النار!
هذه المُعادلة هي ما حاولت قيادة المملكة السعودية استنساخها في حربها على اليمن/صنعاء التي بدأت، فعلياً، بعد التشييع الرسمي للمرشد الإيراني الشهيد السيد علي الخامنئي في تموز الماضي. ظنّت الرياض أن تحوّلات موازين القوى باتت ملائمة من أجل تطبيق هذا الاختبار الذي باشرته، في نطاق حصار شامل على صنعاء، باستهداف مطارها وبقصف مرفأ الحُديدة على البحر الأحمر. كانت الرياض، قبل ذلك قد أفشلت «محاولة توسعية» لدولة الإمارات وأتباعها في «المجلس الانتقالي الجنوبي» اليمني، عبر نزاع دامٍ اندلع أواخر السنة الماضية. أسهم ذلك في تشجيع قيادة المملكة على محاولة حسم الصراع مع صنعاء أيضاً.
استقوت القيادة السعودية أيضاً بالتطورات التي حصلت على مستوى السلطة في العراق، حيث تمكّنت واشنطن بالتهديد والوعيد السافريْن، من فرض علي فالح الزيدي رئيساً للحكومة، وهو تكنوقراط موالٍ لها، على حساب مرشح حلفاء إيران في «الإطار التنسيقي العراقي». هذا دون أن ننسى ما حصل قبل ذلك من تغييرات، لمصلحة واشنطن وأتباعها، في سوريا ولبنان وغزة.
لكنّ الرياض أهملت في تقديرها لتوازنات المشهد أمرين مهمين:
الأول، التعثّر الأميركي والإسرائيلي بشأن الملف الإيراني حيث صمدت القيادة الإيرانية وتمكّنت عبر إقفال مضيق هرمز بالقوة، من استنزاف واشنطن وحلفائها الخليجيين.
الثاني، إهمال التوازنات اليمنية الداخلية حيث راكمت صنعاء عوامل قوة متنامية مكّنتها، سريعاً، من مواجهة الحصار السعودي بحصار مضادّ على معظم المطارات السعودية. كذلك بادرت صنعاء إلى شن هجوم صاعق مكّنها من السيطرة على الساحل الغربي اليمني وعلى مضيق باب المندب الاستراتيجي. شكّل ذلك خسارة فادحة سياسية وعسكرية واقتصادية للسعودية وقادها إلى حرب كبيرة تمكّنت فيها صنعاء من نقل المعركة، جزئياً، إلى الداخل السعودي، ما أربك القيادة السعودية ودفعها إلى طلب الدعم بأيّ ثمن.
كانت قيادة المملكة قد عقدت، في مجرى التحضير لفتح معركة صنعاء، «حلف مكة» مع تركيا وباكستان. راهنت على أكثر من مجرد دعم سياسي ومعنوي من قبل هذين الطرفين. راهنت كذلك على تدخل أميركي ما زال يصطدم بحرص إدارة ترامب على تأجيل الحرب، حسب ما يكرّر، إلى ما بعد انتهاء الانتخابات الأميركية النصفية تفادياً لانعكاسات سلبية إضافية على نتائج تلك الانتخابات. راهنت السعودية أيضاً على تدخل عسكري من قبل سلطات دمشق الجديدة التي تكابد صعوبات كثيرة ومتنوعة، ما يحول دون إقدامها على مغامرة تدخّل فعّال في اليمن. بدورها، الإمارات وضعت شروطاً تعجيزية لتقديم الدعم لمنافستها اللدودة!
ينبغي القول إنه رغم الارتباط الوثيق للقيادة السعودية بواشنطن، ورغم ما قدّمته قيادة المملكة من المبالغ الخيالية لترامب، فإن ما سرى ويسري على كيان العدو، لا ينطبق على أي بلد آخر في العالم، خصوصاً في مرحلة الإدارة الأميركية الترامبية الراهنة. ترامب «أعظم صديق لإسرائيل» حسب نتنياهو. هو مُدين لتيار «الصهيونية-المسيحية» الذي شكّل ويشكّل القاعدة الانتخابية الأساسية لترامب في ولايتيه الأولى والحالية: في نطاق تحالف «ماغا» و»أميركا أولاً». أثارت حرب الإبادة ضد غزة خصوصاً، المدعومة بقوة من قبل الإدارة الأميركية، نقمة شعبية وسياسية غير مسبوقة. شكّل ذلك عنصر تأزّم كبير في فريق ترامب والحزب الجمهوري وفي المجتمع الأميركي نفسه. عبّرت عن ذلك، بقوة، تظاهرات شبابية/ طالبيّة صاخبة أشّرت إلى تحوّل كبير رفضاً لحرب الإبادة ومشاركة واشنطن فيها. الحرب على إيران، بدوافع إسرائيلية، تركت بدورها توترات وانشقاقات مهمة في فريق ترامب وانعكاسات سلبية قاسية على قطاعات واسعة من الأميركيين.
لقد صدرت استنكارات إعلامية كثيرة لاستهداف مطار الرياض وما حدث فيه من خسائر بشرية... لكن ذلك، ورغم انحياز غير مُبرّر بالنسبة إلى أطراف عديدة، فهو غير كافٍ لتمكين السعودية من تحقيق الانتصار أو احتمال حصول ذلك في وقت قريب. الواقع أن الجميع، تقريباً، قد خيّب قيادة المملكة، حتى الآن، وفي المقدّمة الرئيس ترامب أكّد التفاهم مع صنعاء على عدم استهداف القطعات البحرية الأميركية.
الأحرى بقيادة المملكة أن تستفيد من دروسها القديمة والجديدة في العلاقة مع اليمن. صادرت الرياض انتفاضة الشعب اليمني المميزة. قمعت فرص التغيير لحساب فريق تابع لها ومنفّذ لإملاءاتها. تزعم أنها تدافع عن «الشرعية». وهي «شرعية» اضمحلّت ولا تصلح حتى لإدارة بيت دعارة!
السعودية مُتدخِّلة ومُحتلة، وليست ضحية كما تحاول تصوير نفسها. نصح المؤسّس الملك عبد العزيز أولاده بـ»الحذر» حيال اليمن. ترجمة ذلك لا تتم باستعمار اليمن وتفتيت جغرافيته وتقسيم شعبه وزجّه في حرب أهلية دامية هي آخر ما يحتاج إليه ملايين اليمنيين الجائعين والمتمسّكين، في كل الظروف، بأرضهم وبحرّيتهم وبكرامتهم.