وقالت اللجنة، في مادة حقوقية تناولت مفهوم التشهير وآثاره، إن القانون الدولي لحقوق الإنسان ينظر إلى التشهير بوصفه كل فعل ينطوي على نشر أو إذاعة معلومات أو ادعاءات أو اتهامات تمس شرف الشخص أو سمعته بصورة غير مشروعة، ولا سيما عندما تكون هذه المعلومات كاذبة أو مضللة أو غير مثبتة، أو تُستخدم بقصد الإضرار بمكانة الفرد الاجتماعية أو المهنية أو السياسية.
واستشهدت اللجنة بالمادة الثانية عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على عدم جواز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، أو لحملات تمس شرفه أو سمعته، مؤكدة أن لكل شخص الحق في الحماية القانونية من هذه الانتهاكات.
الإعلام أداة لتصفية الخصوم:
وبحسب لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في الجزيرة العربية، يلجأ النظام السعودي إلى حملات التشهير المنظمة ضد المعارضين والمنتقدين والمدافعين عن الإصلاح السلمي، عبر توظيف وسائل الإعلام للتأثير في الرأي العام وإنتاج رواية رسمية تستهدف النيل من سمعة الخصوم السياسيين.
وترى اللجنة أن وسائل الإعلام، في هذه الحالة، تفقد دورها الأساسي في نقل المعلومات بصورة مستقلة ومتوازنة، لتتحول إلى أداة لتغطية الانتهاكات وتبرير ممارسات السلطة، فضلاً عن تجريد المستهدفين من الدعم والحماية المجتمعية.
وأكدت أن خطورة التشهير تتجاوز الإضرار بالسمعة الشخصية، عندما يُستخدم بصورة منظمة ضد أشخاص بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير والمطالبة بالإصلاح والمشاركة في الشأن العام.
تهيئة الرأي العام للاعتقال:
ومن أبرز أهداف هذه الحملات، وفقاً للجنة، تهيئة الرأي العام لتقبل اعتقال الشخص المستهدف قبل اتخاذ أي إجراء قانوني بحقه، من خلال تقديمه بوصفه خطراً على المجتمع أو الأمن العام.
وقالت إن هذا الأسلوب يضعف الاعتراض الشعبي على الاعتقال، ويخلق انطباعاً مسبقاً حول إدانة الشخص حتى قبل عرض قضيته أمام جهة قضائية مستقلة.
كما حذرت من استخدام الإعلام للتأثير في مبدأ افتراض البراءة، إذ يُقدَّم المتهم في بعض الحملات للرأي العام باعتباره مذنباً قبل صدور حكم قضائي نهائي، بما قد يخلق ضغطاً اجتماعياً وإعلامياً يؤثر في نزاهة القضاء واستقلاله وإجراءات العدالة.
تبرير العقوبات وعزل الأسر:
وأضافت اللجنة أن حملات التشهير تُستخدم كذلك لتصوير المستهدف باعتباره خطراً استثنائياً على الأمن الوطني أو عدواً للمجتمع، بما يسهم في خلق قبول للعقوبات القاسية أو الاستثنائية، حتى عندما تكون الاتهامات مرتبطة بممارسة الحقوق والحريات بصورة سلمية.
ولا يتوقف الاستهداف، بحسب المادة، عند الشخص المعني، بل قد يمتد إلى أسرته عبر حملات الوصم وربط أفراد العائلة بالاتهامات الموجهة إليه، الأمر الذي قد يؤدي إلى عزلهم اجتماعياً والإضرار بفرصهم المهنية والاجتماعية.
وترى اللجنة أن هذا الأسلوب يهدف إلى توسيع دائرة العقاب وإرهاب المجتمع، عبر إرسال رسالة مفادها أن كلفة معارضة السلطة أو انتقاد سياساتها قد لا تقتصر على الفرد، بل يمكن أن تطال محيطه الأسري والاجتماعي.
ردع جماعي وصناعة الخوف:
وأشارت اللجنة إلى أن من أخطر أهداف حملات التشهير بث الخوف وردع الآخرين عن ممارسة حقوقهم، من خلال الإيحاء بأن التعبير عن الرأي أو انتقاد السياسات العامة أو المطالبة بالإصلاح يمكن أن تترتب عليه عواقب شخصية واجتماعية ومهنية جسيمة.
وقالت إن هذه الممارسات تسهم في تكريس الرقابة الذاتية، وتقليص مساحة المشاركة العامة، وإضعاف الدعم الشعبي والحقوقي للمستهدفين، عبر تقويض مصداقيتهم وإظهارهم بوصفهم أشخاصاً غير جديرين بالثقة أو منبوذين اجتماعياً.
كما حذرت من استمرار حملات التشهير حتى بعد الإفراج عن المعتقلين، بما يحول دون إعادة اندماجهم في المجتمع، ويؤثر في فرص العمل والعلاقات الاجتماعية، ويُبقي آثار العقوبة قائمة خارج نطاق أي حكم قضائي، فيما وصفته بأنه شكل من أشكال العقاب غير الرسمي المستمر.
دعوة لوقف التشهير والتحريض:
وشددت لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في الجزيرة العربية على أن استمرار استخدام حملات التشهير ضد المعارضين والمنتقدين والمطالبين بالإصلاح السلمي يمثل، بحسب توصيفها، انحرافاً خطيراً عن المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأكدت أن وسائل الإعلام لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين أو تشويه سمعة المعارضين أو تبرير الاعتقال أو التأثير في مجريات العدالة، مشددة على أن وظيفة الإعلام في دولة تحترم سيادة القانون هي نقل الحقيقة وخدمة المصلحة العامة، لا صناعة الإدانة المسبقة أو التحريض والانتقام من المخالفين في الرأي.
ودعت اللجنة النظام السعودي إلى الوقف الفوري لجميع حملات التشهير والتحريض التي تستهدف الأفراد بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم وحرياتهم، والامتناع عن استخدام وسائل الإعلام الرسمية أو الجهات المرتبطة بالدولة لتشويه سمعة المعارضين والمنتقدين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
كما طالبت باحترام مبدأ افتراض البراءة، وعدم تقديم أي شخص للرأي العام باعتباره مذنباً قبل صدور حكم نهائي عن محكمة مختصة ومستقلة، إلى جانب صون كرامة الأفراد وأسرهم والكف عن استهدافهم بحملات الوصم والتشهير والعقاب الاجتماعي.
وختمت اللجنة بالدعوة إلى إنصاف المتضررين من حملات التشهير غير المشروعة وجبر الأضرار التي لحقت بهم، ومساءلة المسؤولين عنها، محذرة من أن ممارسات التشهير والتخوين والوصم والتحريض لا تقوّض حقوق الأفراد وحدهم، بل تُضعف الثقة في مؤسسات الدولة وسيادة القانون، وتكرّس مناخاً من الخوف يتعارض مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.