عاجل:
حرب الخليج تهدد محطات تحلية مياه
الاخبار 2026-09-28 10:13 904 0

حرب الخليج تهدد محطات تحلية مياه

تنذر التطورات العسكرية المتسارعة في بحر عُمان ومضيق هرمز بدخول أمن الطاقة والمياه في منطقة الخليج دائرة الخطر الوجودي المباشر، في ظل مخاطر بيئية واقتصادية عابرة للحدود أعقبت تواصل استهداف الناقلات النفطية في 21 سبتمبر/ أيلول الجاري،

ما يدفع حكومات المنطقة والدوائر الاقتصادية المعنية نحو مراجعة عاجلة وشاملة لمنظومات الحماية الساحلية، وتأمين إمدادات الشرب الحيوية لملايين السكان وسط استنفار تقني لمواجهة مخاطر التلوث الزيتي.

 

فالترابط العضوي بين سلامة الملاحة واستدامة مآخذ المياه الشاطئية يجعل أي تسرب نفطي بمثابة تهديد لشريان الحياة الإقليمي، وهو ما سبق أن حذرت منه دراسة نشرتها مؤسسة "المجلس الأطلسي" البحثية الأميركية في 18 مارس/ آذار الماضي، مؤكدة أنه في حال اتساع رقعة التلوث في المياه المغلقة للخليج، تصبح البنية التحتية لتحلية المياه التي تقوم عليها معيشة مجتمعات المنطقة وتعتمد عليها الأنشطة الحيوية مهدّدة بالتعطل.

 

وعلى وقع هذه المخاوف، وثقت منصة سيت تريد ماريتايم نيوز (Seatrade Maritime News) البريطانية، المتخصصة في الشحن البحري، في تقرير نشرته في 21 سبتمبر الجاري، تصاعد الاستهدافات الميدانية التي طاولت ناقلات طاقة تجارية، بالتزامن مع كشف تقديرات "ستاندرد آند بورز غلوبال" (S&P Global) الصادرة في 23 سبتمبر الجاري عن تكبد شركات التأمين البحري خسائر مليارية وارتفاع أعباء الشحن ومضاعفة كلفة إدارة مخاطر التلوث البحري.

 

في موازاة المخاطر الملاحية، يتضاعف الهاجس البيئي نتيجة تداخل أزمات الممرات المائية، حيث حذرت منصة ذا ماريتايم إكزيكيوتيف (The Maritime Executive) الأميركية المتخصصة في الملاحة والشؤون البحرية، في تقرير نشرته في 19 سبتمبر الجاري، من مخاطر الاضطراب المتزامن في نقاط الاختناق البحرية، مؤكدة تصاعد كلفة التأمين والشحن ومخاطر حوادث الناقلات على البيئة الساحلية.

 

وانعكاساً لهذه الحساسية البيئية، يوضح الخبير الاقتصادي ربيع بدواني مخلوف، في حديث لـ "العربي الجديد" أن التصعيد الأخير يهدد مآخذ مياه البحر المغذية لمحطات التحلية بالانسداد والتلوث، مشيراً إلى أن رصد بقع نفطية قرب جزيرة قشم وسواحل عمان في أغسطس/ آب 2026 شكل إنذاراً ميدانياً صريحاً بخطورة تدمير النظم الإيكولوجية الساحلية وتلف الأغشية والمعدات الميكانيكية الحساسة.

 

وتفرض هذه التهديدات الميدانية المباشرة ضغوطاً غير مسبوقة على شركات التأمين وسفن الطوارئ، وهو ما أكدته "ستاندرد آند بورز غلوبال" في تقرير نشرته في 23 سبتمبر الجاري، مشيرة إلى أن حوادث الناقلات في المياه الضيقة تضاعف فاتورة التعويضات البيئية وجهود حماية السواحل الحيوية.

 

وعلى وقع هذا الاستنزاف المالي والتشغيلي، يؤكد مخلوف أن الكلفة الاقتصادية لمواجهة الأزمة تراوح مئات الملايين من الدولارات لنشر حواجز التطويق العائمة وتسيير طلعات المراقبة البحرية والجوية المستمرة واستعمال كيماويات تشتيت آمنة وتعزيز تقنيات الترشيح، مع تحذيره من أن الكلفة قد تقفز إلى مستويات قياسية إن اضطرت المحطات إلى التوقف الكامل عن العمل.

 

وتعود مرجعية هذا التحذير إلى الاعتماد شبه الكلي لدول المنطقة على التحلية، وهو ما يفصّله مخلوف، مبيناً أن المحطات توفر نحو 90% من الاحتياجات المائية في الكويت والبحرين، ونحو 86% في عمان، وتقارب 99% في قطر، ما يجعل أي خروج مؤقت لتلك المنشآت بمثابة تهديد مباشر للأمن القومي والاجتماعي ويشل القطاعات الاقتصادية كافة المعتمدة على المياه.

 

وإزاء هذا التهديد المشترك العابر للحدود، يدعو مخلوف إلى تفعيل قنوات اتصال فنية مباشرة بين دول الخليج وإيران، حتى في ظل الخلافات السياسية القائمة، من خلال الاستفادة من الأطر القانونية للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية (ROPME) التي تتخذ من الكويت مقراً لها، وتمتلك بروتوكولات طوارئ ملزمة لمكافحة التلوث الزيتي معمولاً بها منذ عام 1978.

 

ويتطلب تطوير هذا المسار التعاوني تفعيل أدوات الرصد الميداني اللحظي، وفق تحليل مخلوف، مشدداً على ضرورة تبادل بيانات الأقمار الصناعية وأنظمة الإنذار المبكر والإبلاغ الفوري عن التسربات النفطية وتنسيق جهود فرق المكافحة البحرية، لاحتواء البقع الزيتية في مهدها قبل أن تتمدد نحو الشواطئ وتتحول إلى كوارث بيئية واقتصادية واسعة النطاق.

 

وفي موازاة درء التلوث عن الشواطئ، يشير مخلوف إلى أن رفع سعة التخزين الاستراتيجي للمياه يمثل خط الدفاع الأهم بجانب تنويع المصادر، مستشهداً بنماذج ناجحة مثل مشروع تخزين المياه المحلاة في الخزان الجوفي بمنطقة ليوا في الإمارات، ومنظومة الخزانات الاستراتيجية الكبرى في قطر التي بلغت طاقتها 2.4 مليار غالون عام 2023 لتأمين استهلاك الطوارئ لشهور.

 

إزاء المشهد الميداني، أظهرت بيانات منصة لويدز ليست إنتليجنس (Lloyd's List Intelligence) البريطانية المتخصصة في الاستخبارات البحرية، في تقرير رصدي نشرته في 24 سبتمبر الجاري، تسجيل انخفاض حاد في حركة عبور الناقلات التجارية غير المرتبطة بإيران، بالتوازي مع رصد لجوء سفن عديدة لإغلاق أجهزة التتبع الآلي للتمويه وتفادي الاستهداف، ما يعكس شللاً تصاعدياً وحذراً غير مسبوق في حركة الشحن الإقليمية.

 

وانطلاقاً من هذا التحدي الجغرافي، تبرز سلطنة عمان طرفاً مؤهلاً لامتصاص الصدمات وفتح مسارات آمنة، وفق ما يوضحه الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي، مبيناً في حديث لـ "العربي الجديد" أن تمتع السلطنة بموقع فريد ومطل مباشرة على مضيق هرمز يتيح لها هندسة ممرات ملاحية جديدة وآمنة وإنشاءها، غير أن نجاح هذه المبادرة يظل مرهوناً بضرورة التوصل إلى تفاهمات وضمانات متبادلة وصارمة بين إيران والولايات المتحدة لضمان عبور السفن دون استهداف.

 

وتأسيساً على تلك المعادلة الأمنية، يرى الطوقي أن السؤال الجوهري يكمن في مدى التزام الطرفين المتنازعين، واشنطن وطهران، بضمان سلامة هذه المسارات وعدم قصفها، مؤكداً أنه في حال توفّر هذه الضمانات، فإن فتح مسارات ملاحية عبر المياه العمانية سيخدم مصالح جميع الدول الخليجية المرتبطة بالمضيق والدول المصدرة والمستوردة للنفط حول العالم على حد سواء.

 

غير أن البحث عن مخارج استباقية بديلة يصطدم بارتفاع تكاليف الشحن التجاري، حيث كشفت منصة سيت تريد ماريتايم نيوز (Seatrade Maritime News) في تقرير نشرته في 24 سبتمبر الجاري، أن أزمة المضيق قفزت بأسعار استئجار الناقلات اليومية لمستويات قياسية غير مسبوقة تجاوزت مليون دولار لليوم الواحد، ما يعكس اختناقاً لوجستياً خانقاً يضغط على كبار مستوردي الطاقة العالميين.

 

وفي ضوء هذا الاختناق اللوجستي، يشدد الطوقي على أن مضيق هرمز يتمتع بميزة تنافسية لا تضاهى من حيث سرعة الإبحار ومستويات الأمان وانخفاض تكلفة الشحن، ما يلبي متطلبات شركات النقل البحري والتأمين ويجنب الاقتصاد العالمي موجات تضخم حادة ناجمة عن ارتفاع كلفة الشحن، وتعطل سلاسل الإمداد والتوريد الدولية في أسواق الطاقة والغذاء والمواد الخام الحيوية.

 

وبناءً على معطيات متشابكة، يخلص الطوقي إلى أن تأمين مضيق هرمز يظل الحل الأمثل والأرخص بكثير مقارنة بتحويل مسارات السفن عبر باب المندب أو رأس الرجاء الصالح أو اللجوء للجسور البرية والجوية المرهقة، شرط وجود التزام جماعي بالسلام وعدم المساس بالممرات.

 

آخر الاخبار