عاجل:
أضرار منشآت الطاقة الخليجية: فاتورة عالية ومعدات نادرة
الاخبار 2026-06-23 06:50 680 0

أضرار منشآت الطاقة الخليجية: فاتورة عالية ومعدات نادرة

تشهد منشآت الطاقة في منطقة الخليج تقييماً شاملاً لحجم الأضرار الهيكلية التي لحقت بها جراء الهجمات الصاروخية والجوية الإيرانية خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي أدت إلى شلل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وإخراج منصات حيوية عن الخدمة.

تشير التقديرات الفنية إلى تباين واضح في حجم الأضرار بين منشآت تعرضت لدمار هيكلي عميق يتطلب سنوات لإعادة البناء، وأخرى واجهت أعطالاً بسيطة تم احتواؤها سريعاً.

 

وتتزامن هذه التقييمات مع التوصل إلى اتفاق مبدئي لا يزال هشاً ما بين الولايات المتحدة وإيران لإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف تدفقات النفط والغاز، وسط ترقب الأسواق لخطط إعادة الإعمار الفورية، حسبما أورد تقرير نشرته منصة "إنفستينغ"، مشيراً إلى أن مدينة رأس لفان الصناعية في قطر هي أكبر المتضررين هيكلياً في المنطقة، حيث تسببت الضربات الصاروخية الإيرانية في تدمير خطي إنتاج الغاز الطبيعي المسال "إس 4" و"إس 6"، ما أدى إلى خفض الطاقة الإنتاجية بنسبة 17%، ما يعادل 12.8 مليون طن سنوياً، ودفع شركة قطر للطاقة لإعلان القوة القاهرة.

 

وفي حين تضع الشركة خططاً لاستئناف 50% من قدرتها الإنتاجية خلال شهر من فتح مضيق هرمز و80% خلال شهرين، فإن إصلاح الـ20% المتبقية المتضررة هيكلياً سيستغرق 5 سنوات كاملة، وإن هذا التعطل يترجم خسائر سنوية تقدر بنحو 20 مليار دولار من الإيرادات، وفق وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي يوم 19 مارس/آذار الماضي.

 

في المقابل، أثبتت البنية التحتية لمصفاة رأس تنورة السعودية مرونة عالية؛ إذ لم تتعد الأضرار الناجمة عن حطام طائرة مسيرة في مارس الماضي حدود الحريق المحدود الذي تم احتواؤه سريعاً، لتعود المصفاة للخدمة خلال أسبوع واحد فقط بعد تحويل مؤقت لإمدادات البروبان والبيوتان عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، حسبما أورد تقرير نشرته منصة "ريستاد إنرجي"، المتخصصة في أبحاث واستشارات الطاقة المستقلة.

 

ولم تقتصر الأضرار على المنشآت النفطية العملاقة، بل طاولت المرافق الحيوية في الكويت والإمارات والبحرين لتحدث تأثيراً هيكلياً عميقاً؛ ففي الكويت تعرضت مصفاة ميناء الأحمدي لضربات طائرات مسيرة أحدثت حرائق في الوحدات التشغيلية، بالتزامن مع تضرر 3 محطات لتوليد الكهرباء وتحلية المياه.

 

وفي الإمارات، شهدت منشأة حبشان للغاز تعليقاً مؤقتاً للعمليات إثر سقوط حطام صاروخي، بينما واجه مجمع الطويلة التابع لشركة الإمارات العالمية للألمنيوم دماراً بالغاً في خطوط الصهر والتكرير يتطلب علاجه ما يصل إلى 12 شهراً لاستعادة الإنتاج بالكامل.

 

وفي البحرين، اضطرت شركة "بابكو إنرجيز" لإعلان حالة القوة القاهرة بعد تعرض مصفاة سترة، البالغة طاقتها 405 آلاف برميل يومياً، لضربات مباشرة عطلت عملياتها التشغيلية، وفقاً لما أورده تقدير نشره مركز ستيمسون للأبحاث.

 

ويشير تقرير شركة "وود ماكنزي" المتخصصة في أبحاث الطاقة إلى أن إعادة هيكلة هذه المواقع لا تندرج تحت بنود الصيانة التقليدية، بل تتطلب إعادة بناء جذرية لشبكات الإمداد المعقدة وتجاوز اختناقات سلاسل التوريد العالمية، فالتحدي الأساسي لا يكمن في توفير السيولة المالية، حيث تقدر التكلفة الإجمالية لإصلاح أكثر من 80 منشأة متضررة في الخليج بنحو 58 مليار دولار، وإنما في النقص الحاد للمعدات الحرجة.

 

فالتوربينات الغازية الكبيرة اللازمة لتشغيل ضواغط التبريد في مصانع إسالة الغاز تمثل عقبة رئيسية، حيث لا تصنعها سوى 3 شركات عالمية دخلت عام 2026 بجدول طلبات متراكم يمتد لعامين إلى 4 أعوام نتيجة الطلب المتزايد على مراكز البيانات وتحول الطاقة، ما يجعل الاستعادة الكاملة لقدرات الإنتاج رهينة لهذه المحددات الهيكلية الصعبة، بحسب التقرير ذاته.

 

ويشير الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ"العربي الجديد"، إلى أن وصف الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الخليج بـ"الصيانة" يعد تبسيطاً، إذ إن حجمه يتفاوت بشكل جوهري من موقع لآخر، ففي حقل رأس لفان القطري أصابت الضربات وحدات الإسالة ذاتها وليس هوامشها فقط. ويوضح الخوري أن التقديرات الاستشارية المستقلة تؤشر إلى أن استعادة هذه الطاقة كاملة قد تستغرق فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

 

وتختلف الصورة جوهرياً في رأس تنورة السعودية، إذ جاء الضرر حسب الرواية الرسمية من سقوط حطام طائرات مسيرة معترَضة وليس من إصابة مباشرة لوحدات المعالجة، ووُصف بأنه "محدود" مع استئناف العمل سريعاً وعدم تأثر التزويد للأسواق المحلية.

 

أما الحالة الكويتية فهي الأكثر تعقيداً من حيث التراكم، حيث تعرض مجمع الشويخ وميناء الأحمدي وميناء عبدالله ومحطتي طاقة وتحلية لموجات متكررة امتدت لأسابيع، ما اضطر مؤسسة البترول الكويتية لإعلان القوة القاهرة بسبب أضرار مادية جسيمة طاولت منشآت رئيسية وتوقف وحدات توليد الكهرباء.

 

وفي الإمارات، تفاوت الضرر بين حطام اعتراض محدود الأثر في مواقع مثل حبشان وبرج العرب البتروكيميائي، وإصابة مباشرة ومصيرية لمصنع الإمارات للألومنيوم في الطويلة، الذي قدرت الشركة إصلاحه بعام كامل بسبب أضرار بالغة أدت إلى توقف تشغيلي، بينما سجلت البحرين الحوادث الأخف ضمن هذه المنظومة بحرائق محتواة دون توقف هيكلي ممتد.

 

وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي، وضاح طه، إلى تباين التقديرات بشأن حجم الخسائر التي تكبدتها دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما قطر والإمارات والسعودية والكويت، نتيجة القصف الإيراني لمنشآت النفط والغاز، منوهاً إلى أن الضرر الرئيسي يتمثل بشكل خاص في منشآت الغاز، ولا سيما في حقل حبشان بأبوظبي ومجمع رأس لفان في قطر، وأن بعض هذه المنشآت المتضررة تحتاج إلى أشهر لإصلاحها وعلاج أعطالها، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن هذه الخسائر لن تعيق عمليات الإصلاح والعودة إلى العمل الطبيعي، خاصة مع وجود إرادة لتسريع وتيرة الصيانة، رغم أن الوصف الدقيق للأضرار يتطلب تفاصيل فنية دقيقة.

 

ويستدعي ذلك تبني استراتيجية خليجية عاجلة تقوم على مد شبكة أنابيب تستهدف إنشاء 3 مواقع استراتيجية بديلة لمضيق هرمز، بهدف الاستغناء عن الاعتماد الكلي على المضيق خلال فترة لا تتجاوز 3 سنوات، وتشمل هذه البدائل، بحسب طه، مسارات على بحر العرب عبر عُمان، وعلى البحر الأحمر عبر السعودية، وعلى البحر الأبيض المتوسط عبر الموانئ السورية، بما يعزز الأمن الطاقي ويقلل المخاطر الجيوسياسية.

 

ومن جانبه، يرى الباحث في شؤون الطاقة، عامر الشوبكي، أن إصلاح الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة في رأس لفان ورأس تنورة معقد ويتطلب هندسة ثقيلة وتوريد معدات خاصة واختبارات سلامة لإعادة الاعتماد التشغيلي، ففي رأس لفان أدى خروج وحدتين للإسالة إلى فقدان 17% من القدرة التصديرية للغاز المسال، أي ما يقارب 12.8 مليون طن سنوياً من أصل 14 وحدة، وهو ضرر لا يعالج بالحديث عن الصيانة الدورية بل يستلزم إعادة بناء جزئية أو جذرية لوحدات إنتاج كاملة، بحسب إفادته لـ "العربي الجديد".

 

وتتفاوت التقديرات الزمنية للإصلاح حسب طبيعة الضرر، فالأضرار السطحية والحرائق المحدودة قد تستغرق من أسابيع إلى 3 أشهر، بينما أضرار الخزانات والأرصفة وخطوط التغذية وأنظمة التحكم تتراوح بين 3 و12 شهراً، أما الأضرار في وحدات الإسالة أو المعدات المعقدة فقد تحتاج إلى سنتين أو ثلاث، بحسب الشوبكي.

 

في المقابل، يمكن للمرافق غير المتضررة أن تعود تدريجياً خلال شهر واحد إذا عاد الشحن عبر المسارات التقليدية، بحسب الشوبكي، لافتاً إلى أن مؤسسة "قطر للطاقة" أعلنت استمرارها في التوسع بمشروع حقل الشمال بالتوازي مع الإصلاحات، ما قد يخلق مفاضلة بين إصلاح القديم واستكمال الجديد.

 

ومن الناحية الاستثمارية، ينوه الشوبكي إلى توقعات بأن تصل تكاليف الإصلاح في رأس لفان إلى 10 مليارات دولار إذا جرى استبدال المعدات، أما إذا كانت الأضرار محصورة في مرافق المساندة فقد تكون الكلفة في نطاق مئات الملايين إلى بضعة مليارات.

 

أما في رأس تنورة السعودية، التي تضم مصفاة بطاقة 550 ألف برميل يومياً وتُعد جزءاً من منظومة التصدير الحيوية، فإن التأثير يختلف حسب موقع الضرر، فإذا كان في وحدات التكرير سيؤثر على المنتجات النفطية أكثر من الخام، وإذا طال روابط التحميل والتخزين فسيكون الأثر مباشراً على صادرات الخام، بحسب الشوبكي.

 

ويرجح الباحث في شؤون الطاقة أن يكون التأثير الأكبر على الصادرات في الأجل القصير لوجستياً أكثر منه إنتاجياً، إذ تحتاج الشركات إلى ضمانات أمنية واضحة وناقلات متاحة، لافتاً إلى أن المشكلة في قطر ليست في الإنتاج فقط، بل في سرعة إدخال السفن وتحميلها بعد فترة التوقف، وهو تحد يؤثر أيضاً على باقي منشآت النفط في المنطقة.

 

ويتوقع الشوبكي أن تتعافى سوق النفط العالمية بشكل أسرع نسبياً مقارنة بالغاز المسال والمنتجات الخاصة مثل اليوريا والنافثا، وذلك لأن النفط يمتلك بدائل أكثر ومخزونات استراتيجية وطاقة فائضة جزئية لدى بعض المنتجين، بالإضافة إلى وجود خطوط بديلة في السعودية والإمارات، أما الغاز الطبيعي المسال فلا يمكن تعويض خروجه من وحدة إسالة متضررة بقرار سياسي سريع، ما يجعل تعافيه أبطأ وأكثر تعقيداً.

 

وعلى صعيد الصادرات، بلغ الانكماش مستوى غير مسبوق، إذ قدرت وكالة الطاقة الدولية تراجع إنتاج الدول المتأثرة بأكثر من 14 مليون برميل يومياً، ورغم عمل خط الشرقي-الغربي السعودي بكامل طاقته ناقلاً 7 ملايين برميل يومياً إلى ينبع، واستغلال الإمارات الكامل لخط حبشان-الفجيرة بمعدل 1.8 مليون برميل يومياً، فإن هذه المسارات مجتمعة لا توفر سوى سعة بديلة تقدر بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً، مقارنة بطاقة مضيق هرمز الاعتيادية البالغة 20 مليون برميل، ما يعني، بحسب الخوري، أن الكويت والعراق وقطر والبحرين تبقى عرضة بنيوياً لأي اضطراب متجدد لعدم امتلاكها بنية تحويلية بديلة كافية.

 

آخر الاخبار