عاجل:
الإدارة بالصمت: كيف يُعاد تشكيل السياسة في الخليج
الاخبار 2026-05-14 08:50 574 0

الإدارة بالصمت: كيف يُعاد تشكيل السياسة في الخليج

تقول القاعدة القديمة في علم السياسة إن الدولة الواثقة من شرعيتها لا تخشى الأصوات المختلفة، لأنها تدرك أن النقد ليس تهديداً وجودياً بقدر ما هو جهاز إنذار يمنع النظام من العمى التدريجي.

بقلم: نواف السالم/ كاتب كويتي...

 

ولهذا لم تُبنَ الديموقراطيات الحديثة على الإجماع الكامل، بل على وجود مساحة تسمح للمجتمع بأن يرى تناقضاته ويتجادل حولها دون أن يتحوّل الخلاف إلى خطر أمني.

 

غير أن الديموقراطية الليبرالية نفسها ليست القاعدة في التاريخ البشري، بل لحظة استثنائية فرضتها ظروف نادرة أعقبت الحرب العالمية الثانية. أمّا القاعدة الأكثر رسوخاً عبر التاريخ فكانت ميل السلطة إلى احتكار تعريف الحقيقة، ثم احتكار المجال العام، ثم إعادة تعريف معنى «الخطر» بما يضمن استمرارها. وما يحدث في الخليج خلال السنوات الأخيرة يبدو امتداداً حديثاً لهذا الإرث القديم، لكن بأدوات أكثر تطوراً: تشريعات أمنية، رقابة رقمية كثيفة، مركزية إعلامية، وإحكام متزايد للقبضة على المجال الديني والثقافي.

 

ودول الخليج لا تتجه نحو التشدد الأمني لمجرد نزعة سلطوية عابرة، بل تتحرك أيضاً تحت تأثير هاجسين عميقين:

 

الأول، هو الخوف من تكرار لحظة الانهيار الإقليمي التي أعقبت الربيع العربي، حين شاهدت العواصم الخليجية كيف تحولت دول بدت مستقرة لعقود إلى ساحات حرب وانقسام خلال أشهر قليلة.

 

أمّا الهاجس الثاني، فيرتبط بالطبيعة الديموغرافية والسياسية الهشة لدول صغيرة تملك ثروة ضخمة وموقعاً استراتيجياً حساساً، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي اضطراب داخلي قد يفتح الباب سريعاً أمام تدخلات إقليمية وصراعات تتجاوز حدودها.

 

ولهذا، تنظر السلطة الخليجية إلى الاستقرار بوصفه قضية وجود لا مجرد خيار سياسي. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحوّل هاجس الحماية إلى فلسفة حكم كاملة، وحين تصبح الدولة مقتنعة بأن أي مساحة غير خاضعة للسيطرة الكاملة تحمل داخلها احتمال الفوضى أو الاختراق أو التهديد المؤجل.

 

التحوّل لا يتعلق فقط بتقييد المعارضة السياسية، بل بإعادة تشكيل الإنسان الخليجي نفسه بوصفه كائناً يعيش داخل مراقبة دائمة حتى وهو يعتقد أنه حرّ. ولم تعد السلطة معنيّة فقط بما يقوله الفرد علناً، بل بما قد يقوله مستقبلاً، وبالشبكات التي ينتمي إليها، وباللغة التي يستخدمها، وبالإشارات الرمزية التي يتداولها، وحتى بدرجة الحماس أو البرود التي يبديها تجاه الرواية الرسمية. وهنا تنتقل الدولة من إدارة السلوك إلى إدارة الاحتمال نفسه.

 

وفي البيئات السياسية شديدة الحساسية، يمكن حتى للرموز الوطنية أن تتحوّل تدريجياً من مساحة جامعة إلى أداة لقياس الولاء. فحين يصبح التعبير العلني عن الحماسة الوطنية معياراً ضمنياً للقبول السياسي والاجتماعي، تتقلّص المسافة بين المواطنة والطاعة، وبين الانتماء والانضباط.

 

 

 

نهاية المواطن السياسي:

 

 

 

مَن يراقب الخطاب الإعلامي الخليجي خلال الأشهر الماضية يلاحظ مقدار التشابه في المفردات السياسية والأمنية المستخدمة. فالحديث عن «الاستقرار» و«الأمن الوطني» و«رفض الفوضى» و«مكافحة التطرف» لم يعد مجرد لغة حكومية متقاربة، بل أصبح إطاراً عاماً يُعاد عبره تفسير معظم القضايا السياسية والاجتماعية.

 

ومنذ أواخر 2025 وبدايات 2026 أعلنت عدة دول خليجية عن تفكيك خلايا مرتبطة بالتطرف أو بجهات خارجية، إلا أن بعض هذه القضايا أثار نقاشاً حقوقياً وإعلامياً بسبب طبيعة الأدلة المعلنة واتساع تعريف التطرف ذاته، خاصة في الحالات التي تضمنت مواد دينية أو انتماءات فكرية لا ترتبط مباشرة بأعمال عنف مثبتة. وهذا الاتساع في تعريف التهديد يكشف مساراً أوسع تعيشه المنطقة، حيث لم يعد تنظيم المجال الديني منفصلاً عن إدارة المجال السياسي، ولم تعد الدولة تكتفي بضبط النشاط المعارض التقليدي، بل باتت تسعى إلى إعادة رسم حدود التأثير الفكري والاجتماعي بصورة أكثر إحكاماً.

 

لكن التحوّل الأخطر لا يكمن فقط في توسع السلطة الأمنية، بل في إعادة تعريف فكرة «الشأن العام» نفسها. فالسياسة لم تعد تُقدَّم باعتبارها مجالاً طبيعياً للنقاش والمشاركة، وإنما باعتبارها مساحة ملوثة بالفوضى والريبة والانقسام. ومع الوقت يصبح المواطن المثالي هو المواطن المنشغل بحياته الخاصة، المنتج، المستهلك، الصامت، بينما يتحوّل المهتمّ بالشأن العام إلى شخصية تثير الشك حتى قبل أن تخالف القانون.

 

وهنا تظهر واحدة من أكثر الظواهر الخليجية إثارة للمفارقة: مجتمعات تُعد من الأعلى عالمياً في استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، لكنها تكاد تكون من الأفقر سياسياً على مستوى النقاش العام. فالضغط الشعبي المنظم شبه غائب، والآراء المتزنة تنسحب تدريجياً من المجال الرقمي، بينما يطغى خطاب طائفي وعدائي ومبتذل تقوده حسابات دعائية وجيوش إلكترونية تدفع النقاش العام نحو الانفعال والإهانة والاستقطاب المستمر.

 

وهذا الانحدار ليس مجرد تدهور ثقافي عفوي، بل نتيجة مباشرة لبنية خوف عميقة داخل المجتمع. فحين تصبح اللغة العقلانية مكلفة، ويصبح الرأي المتزن محفوفاً بالمخاطر، ينسحب أصحاب الأصوات الجادة تاركين المساحة للأكثر صخباً والأقل تعرضاً إلى المحاسبة. ومع الوقت يتحول الفضاء الرقمي من مساحة يُفترض أن توسّع السياسة إلى أداة تفرغها من معناها بالكامل.

 

 

كيف يتعلم المجتمع الخوف:

 

 

 

الأنظمة الحديثة لا تحتاج دائماً إلى مستويات مرتفعة من القمع المباشر حتى تفرض الانضباط العام. يكفي أحياناً أن يصبح احتمال العقوبة حاضراً في الوعي الجماعي بصورة دائمة حتى يبدأ المجتمع بإنتاج رقابته الذاتية تلقائياً.

 

وفي الخليج تكتسب هذه المسألة حساسية مضاعفة بسبب الطبيعة الخاصة للدولة الريعية، حيث ترتبط الجنسية بالامتيازات الاقتصادية والمكانة الاجتماعية والانتماء القانوني في آن واحد. ولهذا تحولت أدوات مثل سحب الجنسية والمنع من السفر والعزل الوظيفي إلى وسائل ذات أثر يتجاوز البعد الإداري أو القانوني، لأنها تمس إحساس الفرد بموقعه داخل المجتمع نفسه.

 

وقد أثارت قرارات إسقاط الجنسية في الكويت والبحرين انتقادات حقوقية متكررة خلال الأشهر الأخيرة بسبب ما يترتب عليها من آثار قانونية وإنسانية معقدة. لكن الأثر الأعمق لا يظهر فقط في الحالات الفردية، بل في المناخ النفسي الذي تنتجه هذه السياسات. فحين تصبح الحدود غير واضحة، ويتوسع نطاق المحظور بصورة يصعب التنبؤ بها، يبدأ الأفراد بإعادة صياغة أنفسهم من الداخل.

 

تدريجياً، لا يعود الهاجس مرتبطاً بما يقوله الإنسان، بل بما يفكر في قوله، وهنا يحدث التحوّل الأخطر: المجتمع لا يفقد حريته فقط، بل يفقد علاقته الطبيعية مع الحقيقة، ويبدأ الناس بقول ما لا يؤمنون به، ثم يتجنبون التفكير فيما لا يستطيعون قوله، ثم ينتهي بهم الأمر إلى العيش داخل انفصال كامل بين اللغة والواقع.

 

ولهذا تبدو الأنظمة شديدة الانضباط في ظاهرها أكثر هشاشة مما تبدو عليه. فالمجتمع الذي لا يستطيع التعبير عن رأيه يفقد تدريجياً قدرته على فهم نفسه، بينما تتحول الدولة إلى مؤسسة تسمع صدى خطابها الرسمي أكثر مما تسمع المجتمع الفعلي.

 

 

 

الدولة التي تسمع صداها فقط:

 

 

 

الكويت تقدّم مثالاً بالغ الدلالة على هذا المسار. فالدولة التي ارتبط اسمها طويلاً بهامش سياسي أوسع من محيطها الخليجي شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً واضحاً في الحيوية البرلمانية والسياسية، مع تصاعد التوتر بين السلطات وتقلص المساحات التي كانت تسمح بالنقاش العام المفتوح.

 

ولم يحدث هذا التحول بصورة مفاجئة، بل عبر عملية طويلة من إنهاك المؤسسات الوسيطة وإضعاف المجال السياسي تدريجياً حتى أصبحت قدرة المجتمع على إنتاج معارضة جادة ومؤثرة أكثر محدودية من السابق.

 

لكن ما يجعل التجربة الخليجية الحالية مختلفة عن النماذج السلطوية التقليدية هو أنها لا تبني شرعيتها على أيديولوجيا كبرى كما فعلت أنظمة القرن العشرين، بل على معادلة أكثر براغماتية وخطورة: ما دام الاقتصاد يعمل، والخدمات مستمرة، والأمن قائم، فإن المجال العام يمكن التعامل معه بكونه تفصيلاً زائداً عن الحاجة.

 

هذه المعادلة تبدو مستقرة ظاهرياً، لكنها تحمل تناقضاً عميقاً. فالدولة التي تختزل علاقتها بالمجتمع في الإدارة والخدمات تكتشف مع الوقت أنها أضعفت الروابط السياسية والمعنوية التي تمنح أي نظام قدرة طويلة على التكيف. وعندما تأتي الأزمات الاقتصادية أو التحولات الاجتماعية الكبرى تجد نفسها أمام مجتمع جرى تفكيكه سياسياً لسنوات، لكنه لم يفقد بالضرورة شعوره بالغضب أو التهميش أو الاختناق.

 

التاريخ السياسي لا يُظهر أنّ أهدأ لحظات الدول هي تلك التي يختفي فيها الكلام تماماً، لأن الصمت الطويل لا يعني أن المجتمع بات مقتنعاً برواية الدولة، بل إنه فقد ثقته بجدوى الكلام، وفي هذه اللحظة تكون السلطة معزولة إلى درجة أنها لا تعود قادرة على معرفة نوايا شعبها.

 

في نهاية هذا المسار لا تعود المسألة بين دولة ومجتمع بقدر ما تصبح بين خطابٍ يزداد انتظاماً وصمت يزداد اتساعاً، وحين تتحول الدولة إلى جهاز أمني يدير الخوف، وتتحول المواطنة إلى استهلاك صامت، فإن الدولة لا تحصن نفسها بل تفقد قدرتها على قراءة مجتمعها.

 

آخر الاخبار