وأكدت مجلة فورين بوليسي أن اتفاقيات إبراهام، التي وقعتها إسرائيل والإمارات والبحرين برعاية أمريكية عام 2020، لم تؤد إلى تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط كما رُوّج لها، بل ساهمت في إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من الصراعات والتوترات الإقليمية، عبر توسيع التعاون العسكري والأمني بين إسرائيل ودول الخليج، وتصعيد المواجهة مع إيران، إلى جانب تهميش القضية الفلسطينية.
وأشارت المجلة، في مقال كتبه ماثيو دوس نائب الرئيس التنفيذي في مركز السياسة الدولية، وزوري لينتسكي رئيس قسم الأبحاث والتحليلات في مؤسسة دانديليون ووركس، إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشرف في 15 أيلول/ سبتمبر 2020 على مراسم توقيع اتفاقيات إبراهام في البيت الأبيض، وقدمها آنذاك باعتبارها بداية “شرق أوسط جديد"، قائلا إن هذه الاتفاقيات ستشكل الأساس لسلام شامل في المنطقة، وهو ما وصفه بأنه إنجاز تاريخي غير مسبوق.
وأضافت المجلة أن ترامب لم يكن وحده في الترويج لهذا التصور، إذ حظيت الاتفاقيات بإشادة واسعة من شخصيات نافذة في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة بعد توسيعها لاحقا لتشمل المغرب والسودان، حيث اعتبرها العديد من المعلقين من أبرز إنجازات السياسة الخارجية الأمريكية خلال ولاية ترامب الأولى.
ولفتت إلى أن دينيس روس، أحد أبرز الخبراء الأمريكيين في شؤون الشرق الأوسط، وصف التطبيع حينها بأنه “خطوة إيجابية غير متوقعة”، معتبرا أنه يمثل مساهمة مهمة في بناء السلام العربي الإسرائيلي، فيما تبنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الاتفاقيات لاحقا باعتبارها إطارا لصناعة السلام الإقليمي، رغم تعاملها معها بحذر في البداية.
وأوضحت المجلة أن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أكد خلال قمة النقب في إسرائيل عام 2022 أن اتفاقيات إبراهام جعلت حياة شعوب المنطقة “أكثر سلاما وازدهارا وحيوية”، غير أن الكاتبين اعتبرا أن تلك الوعود لم تتحقق على أرض الواقع، بل تحولت – بحسب وصفهما – إلى “محض خيال”.
وأكدت المجلة أن الهدف المعلن لاتفاقيات إبراهام تمثل في تعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري بين إسرائيل ودول الخليج، وطرح مقاربة جديدة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تقوم على فكرة “السلام من الخارج إلى الداخل”، أي دفع الدول العربية نحو التطبيع أولا، على أمل أن يقود ذلك لاحقا إلى تقدم في الملف الفلسطيني.
لكن المجلة رأت أن هذه المقاربة جاءت بنتائج عكسية خطيرة، إذ أدت إلى تشجيع مزيد من السياسات الإسرائيلية المتشددة، ووفرت غطاء سياسيا للحرب في غزة، كما ساعدت على تصعيد المواجهة العسكرية مع إيران، بدلا من تقليص التوترات في المنطقة.
وأضافت أن إيران كانت الهدف الضمني الرئيسي لاتفاقيات إبراهام منذ البداية، موضحة أن هذا الأمر أصبح أكثر وضوحا في نيسان/ أبريل 2021 عندما أقرّت الولايات المتحدة قانونا يلزم واشنطن بتشجيع الدول على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، انطلاقا من اعتبار إيران “تهديدا مشتركا” للدول الحليفة لواشنطن في الشرق الأوسط.
وتابعت المجلة أن تكتل اتفاقيات إبراهام في الكونغرس الأمريكي نجح عام 2022 في تمرير قانون “ردع قوات العدو وتمكين الدفاعات الوطنية”، الذي ركز على بناء شبكة دفاع صاروخي متكاملة بالتعاون مع الحلفاء الإقليميين لمواجهة التهديدات الإيرانية، خاصة مع امتلاك طهران ووكلائها ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأوضحت أن إدارة ترامب اتخذت خطوة استراتيجية مهمة لتعزيز هذا المسار، عبر نقل إسرائيل من نطاق مسؤولية القيادة الأوروبية الأمريكية إلى نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، ما سمح بدمجها عسكريا مع دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والبحرين، ضمن منظومة أمنية وعسكرية واحدة.
وأكدت المجلة أن هذا التحول أتاح للولايات المتحدة نشر أنظمة دفاعية وأسلحة مشتركة في الشرق الأوسط، وفتح المجال أمام تنسيق عسكري واستخباراتي غير مسبوق بين إسرائيل ودول الخليج، ضمن إطار دفاعي موحد ضد إيران.
وأضافت أن هذه البنية الجديدة لم تقتصر على الدفاع فقط، بل ساعدت إسرائيل أيضا على الوصول إلى الأجواء الخليجية، ما سهّل العمليات العسكرية بعيدة المدى، وسمح بإنشاء شبكات تعاون استخباراتي وأمني خارج الأطر الدبلوماسية التقليدية.
وأشارت المجلة إلى أن مبيعات السلاح شكلت جزءا أساسيا ومتزايدا من العلاقات الناتجة عن اتفاقيات إبراهام، موضحة أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية ارتفعت بنسبة 30 بالمئة عام 2021 مقارنة بالعام السابق، فيما توجه 7 بالمئة من تلك الصادرات إلى الدول الموقعة على الاتفاقيات.
وأضافت أن الإمارات والبحرين اشترتا أسلحة إسرائيلية بقيمة قاربت 900 مليون دولار خلال عام 2021، بينما ارتفعت قيمة المبيعات العسكرية الإسرائيلية إلى الدول الموقعة على الاتفاقيات بحلول عام 2024 إلى ما يقارب ملياري دولار.
وأكدت المجلة أن الإمارات عززت بشكل خاص تعاونها العسكري مع إسرائيل، إذ حصلت شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية على عقد بقيمة 53 مليون دولار لتزويد القوات الجوية الإماراتية بأنظمة إلكترونية متطورة، كما توسع التعاون بين الطرفين في مجالات الطائرات المسيّرة والسفن غير المأهولة والأقمار الصناعية والأمن السيبراني وتقنيات المراقبة.
وأضافت أن التعاون العسكري لم يقتصر على صفقات التسليح، بل تطور إلى مناورات عسكرية مشتركة بين إسرائيل والإمارات والبحرين، شملت القوات البحرية والجوية، إلى جانب تشغيل مراكز عسكرية واستخباراتية مشتركة في جزيرة سقطرى اليمنية.
كما أشارت المجلة إلى أن إسرائيل نشرت عام 2022 منظومة “باراك” للدفاع الجوي داخل الإمارات، في خطوة عكست مستوى متقدما من التعاون الأمني بين الجانبين.
ولفتت إلى أن الولايات المتحدة كافأت الأنظمة العربية المنخرطة في الاتفاقيات عبر صفقات سلاح ضخمة، بينها صفقة أعلنتها إدارة ترامب مع الإمارات بقيمة 23 مليار دولار، شملت مقاتلات “إف-35” وطائرات مسيّرة مسلحة وأنظمة عسكرية متطورة.
وأضافت المجلة أن إدارة بايدن وقّعت عام 2023 اتفاقية “التكامل الأمني والازدهار الشاملة” مع البحرين، بهدف توسيع التعاون الأمني والاستخباراتي ودمج المنامة في منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمية التابعة للقيادة المركزية الأمريكية.
وفي المقابل، أكدت المجلة أن الأوضاع على الساحة الفلسطينية شهدت مزيدا من التدهور بعد توقيع الاتفاقيات، موضحة أن فرضية إمكانية تحقيق السلام العربي الإسرائيلي دون حل القضية الفلسطينية أثبتت فشلها.
وأضافت أن واضعي اتفاقيات إبراهام اعتبروا أن التطبيع العربي الإسرائيلي يمكن أن يقود لاحقا إلى تقدم سياسي للفلسطينيين، وأن الإمارات استخدمت بالفعل انضمامها إلى الاتفاقيات للضغط على حكومة بنيامين نتنياهو من أجل وقف خطة ضم الضفة الغربية رسميا.
لكن المجلة رأت أن إسرائيل استخدمت الاتفاقيات في الواقع لتهميش القضية الفلسطينية وتعزيز سياساتها على الأرض، موضحة أن الاستيطان والاعتداءات ضد الفلسطينيين تصاعدت بشكل ملحوظ بعد توقيع الاتفاقيات.
وأكدت أن هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم ارتفعت بنسبة تقارب 15 بالمئة خلال العام الأول بعد توقيع الاتفاقيات، ثم ارتفعت بنسبة 123 بالمئة في عام 2022 مقارنة بعام 2020.
وأضافت المجلة أن هناك أدلة على دعم الجيش والشرطة الإسرائيليين لعنف المستوطنين، بينما لم تمارس الدول العربية الموقعة على الاتفاقيات أي ضغوط فعلية لوقف تلك السياسات.
وأشارت إلى أن الإمارات والبحرين أوقفتا أو خفضتا بشكل كبير دعمهما المالي لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وذلك بعد قرار إدارة ترامب وقف تمويل الوكالة عام 2018.
وأضافت أن الإمارات، التي كانت من بين أكبر المانحين للأونروا بين عامي 2013 و2019، خفضت مساهمتها إلى مليون دولار فقط في عام توقيع الاتفاقيات.
وأكدت المجلة أن التوسع الاستيطاني والعنف ضد الفلسطينيين استمرا بوتيرة متصاعدة بعد توقيع الاتفاقيات، إلى درجة دفعت سفير الإمارات في واشنطن إلى الاعتراف عام 2023 بأن الاتفاقيات فشلت في وقف ضم الضفة الغربية.
وأضافت أن وثائق قالت إسرائيل إنها حصلت عليها من حركة حماس كشفت أن يحيى السنوار اعتبر اتفاقيات إبراهام خطرا على القضية الفلسطينية، ورأى أن التطبيع العربي الإسرائيلي يهدد بتهميش الفلسطينيين داخل العالم العربي.
وأشارت المجلة إلى أن السنوار اعتقد أن انضمام السعودية إلى مسار التطبيع قبل التوصل إلى اتفاق بشأن الدولة الفلسطينية كان سيدفع بقية الدول العربية إلى اتباع المسار نفسه.
وأكدت أن هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 والحرب اللاحقة في غزة شكّلا نقطة تحول سمحت للتحالف الإسرائيلي الخليجي بتوجيه جهوده بصورة أكبر نحو مواجهة إيران.
وأضافت أن اغتيال إسرائيل لجنرال إيراني في دمشق أدى إلى اندلاع مواجهات صاروخية ومسيّرة بين إسرائيل وإيران ووكلائها في المنطقة، فيما ساهمت أنظمة الدفاع الإقليمية التي نشأت بعد اتفاقيات إبراهام في اعتراض الهجمات الإيرانية.
كما أشارت المجلة إلى أن الإمارات والسعودية قدمتا معلومات استخباراتية ورصدا راداريا لإسرائيل خلال الرد الإيراني على قصف القنصلية الإيرانية في دمشق عام 2024.
وأضافت أن إدارة بايدن واصلت دعم الاتفاقيات رغم تصاعد العنف الإقليمي، معتبرة أن التعاون العسكري والاقتصادي الذي وفرته تلك الاتفاقيات جعل الحرب ضد إيران أكثر قابلية للتنفيذ من الناحية اللوجستية والعسكرية.
وأكدت المجلة أن إسرائيل لم تكن تمتلك بمفردها القدرة على اعتراض الحجم الكبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وأن دمجها داخل القيادة المركزية الأمريكية ساعد على بناء شبكة دفاع جماعية في المنطقة.
وأضافت أن التعاون العسكري العلني بين إسرائيل ودول الخليج في السنوات الأخيرة أسهم في إنشاء منظومات تنسيق واتصالات مشتركة للتعامل مع الهجمات الجوية الإيرانية.
ورأت المجلة أن السنوات الست التي أعقبت توقيع اتفاقيات إبراهام أظهرت أن الشرق الأوسط أصبح أقل استقرارا مما كان عليه قبلها، في ظل استمرار الحرب في غزة، وتصاعد التوتر مع إيران، واستمرار المواجهات في لبنان، وتفاقم أوضاع الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وأكدت أن الاتفاقيات قوّضت الضغوط العربية التقليدية على إسرائيل بشأن القضية الفلسطينية، وعززت فكرة تحقيق الأمن الإقليمي عبر التحالفات العسكرية والأنظمة الأمنية بدلا من معالجة جذور الصراع السياسي.
وأضافت المجلة أن هذه الاتفاقيات ساعدت إسرائيل على ترسيخ نفسها كقوة إقليمية مهيمنة، في وقت باتت فيه حروبها – بحسب المقال – تشكل تهديدا لجيرانها ولمصالح الولايات المتحدة والاستقرار العالمي.
وختمت المجلة بالتأكيد على أن اتفاقيات إبراهام تم تسويقها باعتبارها إطارا لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، لكنها أدت إلى نتائج معاكسة تماما، إذ ساهمت في توسيع دائرة الحروب والتوترات، بينما بقيت القضية الفلسطينية دون حل، وهو ما يجعل أي سلام دائم في المنطقة أمرا بعيد المنال.