عاجل:
كيف تحولت العلاقة واشنطن والسعودية إلى الشراكة المشروطة
الاخبار 2026-06-07 10:04 752 0

كيف تحولت العلاقة واشنطن والسعودية إلى الشراكة المشروطة

سلطت دراسة صادرة عن مركز طوى للدراسات الضوء على التحولات التي شهدتها العلاقات بين "السعودية" والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن طبيعة هذا التحالف لم تعد كما كانت في العقود الماضية، وأن مرحلة جديدة بدأت تتشكل تقوم على تبادل المصالح الاقتصادية والمالية أكثر من اعتمادها على الالتزامات السياسية والأمنية التقليدية التي حكمت العلاقة بين الجانبين منذ منتصف القرن الماضي.

وتتناول الدراسة التحولات التي برزت بوضوح خلال فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث أعادت واشنطن صياغة طريقة تعاملها مع حلفائها في الشرق الأوسط انطلاقاً من رؤية قائمة على المنفعة المباشرة والعوائد الاقتصادية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على شكل العلاقة مع "السعودية". وترى الدراسة أن هذا التحول كشف جانباً مهماً من طبيعة العلاقة التاريخية بين البلدين، والتي ارتبطت لعقود بمعادلة غير متوازنة قوامها توفير الحماية الأمريكية مقابل تأمين المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لواشنطن في المنطقة.

 

وبحسب الدراسة، فإن العقيدة السياسية التي حملها ترامب إلى البيت الأبيض تحت شعار "أمريكا أولاً" لم تقتصر على إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية داخلياً، بل امتدت إلى العلاقات الخارجية، حيث جرى التعامل مع التحالفات الدولية بوصفها صفقات قابلة للتقييم وفق معايير الربح والخسارة. وفي هذا الإطار، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها باعتبارها مسؤولية استراتيجية ثابتة، وإنما كأداة يمكن ربطها بمستوى ما يقدمه هؤلاء الحلفاء من مكاسب اقتصادية واستثمارية.

 

وتوضح الدراسة أن هذه المقاربة الجديدة وضعت "السعودية" أمام واقع مختلف عن ذلك الذي ساد طوال عقود، إذ وجدت نفسها مطالبة بتقديم استثمارات وصفقات ضخمة للحفاظ على مستوى الدعم السياسي والعسكري الأمريكي. وتضيف أن العلاقة التي كانت تُسوَّق سابقاً باعتبارها شراكة استراتيجية متينة أظهرت في هذه المرحلة قدراً كبيراً من الارتباط بالمصالح المادية المباشرة، الأمر الذي دفع الرياض إلى إعادة النظر في عدد من سياساتها وتحالفاتها الخارجية.

 

 

 

من معادلة النفط مقابل الحماية إلى معادلة المال مقابل الدعم:

 

 

 

وتتوقف الدراسة عند الجذور التاريخية للعلاقة بين الجانبين، موضحة أن التحالف التقليدي استند منذ بداياته إلى معادلة واضحة تمثلت في توفير النفط للأسواق العالمية مقابل حصول "السعودية" على المظلة الأمنية الأمريكية. غير أن التحولات التي شهدها قطاع الطاقة العالمي خلال العقود الأخيرة، وخصوصاً مع صعود إنتاج النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة، ساهمت في إضعاف أهمية هذه المعادلة التقليدية.

 

وترى الدراسة أن تراجع اعتماد واشنطن على النفط القادم من الخليج منح الإدارات الأمريكية مساحة أوسع لإعادة تعريف علاقتها مع الرياض. ولذلك برزت خلال السنوات الأخيرة مقاربة جديدة يمكن تلخيصها بمعادلة "المال مقابل الدعم"، حيث أصبحت الاستثمارات وصفقات السلاح والعقود التجارية عناصر أساسية في إدارة العلاقة بين الطرفين.

 

وتشير الدراسة إلى أن السلطات السعودية استجابت لهذه المتغيرات عبر توسيع استثماراتها داخل الولايات المتحدة وإبرام صفقات عسكرية بمئات المليارات من الدولارات، في محاولة للحفاظ على موقعها كشريك رئيسي في الحسابات الأمريكية. إلا أن الدراسة تلفت إلى أن هذا المسار عكس في الوقت نفسه استمرار حاجة الرياض إلى المظلة الأمريكية، ما جعلها أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية القادمة من واشنطن.

 

كما تلاحظ الدراسة أن إدارة ترامب تعاملت مع هذه العلاقة بوضوح غير مسبوق، إذ جرى الربط مراراً بين استمرار الدعم الأمريكي وبين حجم الأموال والاستثمارات التي يمكن أن تقدمها "السعودية". وتعتبر الدراسة أن هذا النهج كشف طبيعة العلاقة بصورة أكثر صراحة مما كان عليه الحال في السابق، عندما كانت المصالح المتبادلة تُقدَّم في إطار خطابات سياسية تتحدث عن الشراكة والقيم المشتركة والاستقرار الإقليمي.

 

 

 

اهتزاز الثقة بالضمانات الأمريكية:

 

 

 

وتخصص الدراسة مساحة واسعة للحديث عن ملف الأمن الإقليمي، مؤكدة أن السنوات الأخيرة أظهرت حدود الرهان السعودي على الحماية الأمريكية. فعلى الرغم من الخطاب المتشدد الذي تبنته إدارة ترامب تجاه إيران، فإن المواقف العملية لواشنطن خلال بعض الأزمات الإقليمية أثارت تساؤلات جدية حول مدى استعدادها للتدخل المباشر دفاعاً عن حلفائها.

 

وتشير الدراسة إلى أن هذه التطورات دفعت دوائر صنع القرار في الرياض إلى مراجعة عدد من الافتراضات التي حكمت سياساتها الأمنية لعقود طويلة. ففكرة الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن النهائي لأمن الخليج لم تعد تحظى بالمستوى نفسه من الثقة، خصوصاً في ظل تزايد المؤشرات على رغبة واشنطن في تقليص انخراطها العسكري المباشر في المنطقة.

 

وتوضح الدراسة أن هذا التحول انعكس على السياسات الدفاعية السعودية من خلال التركيز على مشاريع توطين الصناعات العسكرية وتعزيز القدرات المحلية. وتلفت إلى أن هذه المشاريع لم تكن مجرد برامج اقتصادية مرتبطة بالرؤية التنموية، بل جاءت أيضاً استجابة لمخاوف تتعلق بإمكانية تراجع الدعم الأمريكي أو إخضاعه لشروط سياسية متغيرة.

 

كما تلفت الدراسة إلى أن التجاذبات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها أصبحت عاملاً مؤثراً في العلاقات الثنائية. فقرارات الكونغرس والمواقف المتباينة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي تجاه ملفات المنطقة أظهرت أن مستقبل التعاون العسكري والأمني مع "السعودية" بات عرضة لتقلبات السياسة الداخلية الأمريكية، وهو ما زاد من المخاوف المرتبطة بالاعتماد المفرط على شريك واحد.

 

 

 

البحث عن بدائل وتوسيع هامش المناورة:

 

 

 

وتوضح الدراسة أن التحولات التي شهدتها العلاقة مع واشنطن دفعت الرياض إلى تبني سياسة أكثر انفتاحاً تجاه القوى الدولية الأخرى، في محاولة لتقليل مستوى الاعتماد على الولايات المتحدة وتعزيز قدرتها على المناورة.

 

وفي هذا السياق، تشير الدراسة إلى تنامي العلاقات مع الصين في مجالات التكنولوجيا والطاقة والاستثمار، إضافة إلى استمرار التنسيق مع روسيا في ملفات الطاقة وأسواق النفط من خلال إطار "أوبك بلس". وترى الدراسة أن هذه التحركات تعكس إدراكاً متزايداً لدى السلطات السعودية بأن موازين القوى الدولية لم تعد كما كانت بعد نهاية الحرب الباردة، وأن النظام العالمي يتجه نحو مزيد من التعددية.

 

وتضيف أن التقارب مع قوى دولية منافسة للولايات المتحدة لا يعني بالضرورة التخلي عن التحالف القائم مع واشنطن، لكنه يمثل محاولة لخلق توازنات جديدة تمنح الرياض مساحة أوسع في إدارة مصالحها وتخفيف الضغوط الخارجية.

 

وتعتبر الدراسة أن هذا التوجه يعكس أيضاً تراجع قدرة الولايات المتحدة على احتكار النفوذ السياسي والأمني في منطقة الخليج كما كان الحال خلال العقود الماضية. فالصين باتت شريكاً اقتصادياً أساسياً للعديد من دول المنطقة، بينما تواصل روسيا لعب دور مؤثر في ملفات الطاقة والتوازنات الإقليمية.

 

ومن وجهة نظر الدراسة، فإن هذا الواقع الجديد يمنح "السعودية" فرصة لتوسيع خياراتها الاستراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم القلق الذي بات يحيط بمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة وقدرتها على الاستمرار بالشكل الذي عرفته المنطقة لعقود.

 

 

 

مستقبل العلاقة بين الرياض وواشنطن:

 

 

 

وفي قراءتها للمستقبل، تؤكد الدراسة أن العلاقات السعودية الأمريكية دخلت بالفعل مرحلة مختلفة يصعب معها العودة إلى النموذج التقليدي الذي ساد طوال القرن العشرين. فالقواعد الجديدة التي أرستها إدارة ترامب، والقائمة على ربط التحالفات بالمكاسب الاقتصادية المباشرة، أصبحت جزءاً من التفكير السائد داخل المؤسسة السياسية الأمريكية بغض النظر عن هوية الحزب الحاكم.

 

وترى الدراسة أن مستقبل العلاقة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة "السعودية" على الحفاظ على أهميتها الاقتصادية والاستثمارية بالنسبة للولايات المتحدة، أكثر مما سيعتمد على الاعتبارات الأمنية التقليدية. كما تشير إلى أن استمرار الاعتماد على صفقات السلاح والاستثمارات الضخمة كوسيلة لضمان الدعم الأمريكي يعكس طبيعة العلاقة غير المتكافئة التي ما تزال تحكم جانباً مهماً من الشراكة بين الطرفين.

 

وتضيف أن المتغيرات الدولية المتسارعة، بما في ذلك تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، قد تفرض على الرياض تحديات إضافية في السنوات المقبلة، خصوصاً إذا وجدت نفسها مطالبة بالاختيار بين شركاء دوليين متنافسين.

 

وفي ختامها، تخلص الدراسة إلى أن ما يُعرف بـ"الشراكة المشروطة" لا يمثل مجرد تعديل عابر في العلاقات السعودية الأمريكية، بل يعكس تحولاً أعمق في بنية هذا التحالف. فالعلاقة التي قامت لعقود على تبادل المصالح الأمنية والنفطية أصبحت اليوم أكثر ارتباطاً بالحسابات الاقتصادية والاستثمارية، فيما تراجعت الثقة بالضمانات التقليدية التي شكلت أساس التحالف بين الجانبين.

 

وتشير الدراسة إلى أن هذه التحولات تكشف حدود الرهان على الحماية الخارجية، وتبرز في الوقت ذاته حجم التحديات التي تواجهها "السعودية" في بيئة دولية تتسم بتغير موازين القوى وتراجع اليقين الاستراتيجي. وبينما تحاول الرياض تنويع شراكاتها وتعزيز قدراتها الذاتية، يبقى مستقبل علاقتها بواشنطن مرهوناً بموازين المصالح أكثر من أي وقت مضى، الأمر الذي يجعل التحالف بين الطرفين عرضة لإعادة التقييم المستمرة كلما تغيرت الحسابات السياسية والاقتصادية لدى أي من الجانبين.

 

آخر الاخبار