بقلم: عبد العزيز المكي
منذ أن أصبح بن سلمان ولياً للعهد، بعد إزاحة بن عمه محمد بن نايف عن هذا المنصب قبل عدة سنوات، والحديث متواتر عن تطور العلاقات السعودية الصهيونية، فبين الحين والآخر تطل علينا الصحافة الغربية أو الصحافة الصهيونية، تتحدث عن الزيارات السرية لمسؤولين سعوديين التقوا بمسؤولين صهاينة في الأرض المحتلة أو في عواصم أوربية وحتى في بعض العواصم العربية، أو عن زيارات سرية يقوم بها الصهاينة للسعودية ووفود وما إلى ذلك، حتى أن الإعلام السعودي نفسه لا يتردد في الحديث عن الود السعودي مع العدو وعن التنسيق الأمني والعسكري بين السعودية والكيان الغاصب، أكثر من ذلك أن بن سلمان نفسه وعدد من الوزراء السعوديين تحدثوا صراحة عن اسرائيل وعن ضرورة التحالف معها "لمواجهة إيران ومحورها"، كما أن نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني ومسؤولين صهاينة آخرين من الوزراء والعسكريين والأمنيين من الرتب العالية....يتحدثون بين الحين والآخر عن تطور علاقات هذا الكيان مع الكيان السعودي، وحماس هذا الأخير، وأنظمة خليجية أخرى مثل البحرين والأمارات للتطبيع مع هذا العدو، فنتنياهو كرر أكثر من مرة القول انه لم يحلم أنه سيشاهد هذا الحماس نحو التطبيع مع كيانه الغاصب من قبل أنظمة خليجية على رأسها النظام السعودي. أما بقية المسؤولين الصهاينة، وكذلك المعلقين والصحفيين في الكيان الإسرائيلي، فهم أيضاً يتحدثون بين الحين والآخر عن صميمية العلاقات مع النظام السعودي وبقية بعض الأنظمة الخليجية، وعن تطور التعاون والتنسيق الأمني والعسكري بين آل سعود وأشقائهم الصهاينة، وعن تسارع هذا التعاون وشموله المجالات المختلفة والأصعدة كافة.. وفي المقابل فأن بن سلمان وصحافته ما انفكوا يتحدثون عن العدو، وعن "حقه المزعوم في فلسطين" وأنهم لا تعنيهم قضية فلسطين أو القدس، وما إلى ذلك.
كثير، مما هو بات معروفاً، ومنشوراً في الصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذا السياق نشير إلى أحدث مزاعم الكاتب السعودي عبد الحميد الغبين رئيس مركز "السياسي" للدراسات في لندن، التي نشرها في 21/1/2019، والتي زعم فيها وجود " حق تاريخي ذكر في القرآن للإسرائيليين في فلسطين"!! وأنهم- أي الصهاينة- أولى بها من الفلسطينيين أنفسهم!! وقال هذا المحلل السعودي في لقاء مع وكالة (روسيا اليوم) في ذلك التاريخ "إسرائيل دولة مستقلة، ومعترف بها في الأمم المتحدة وموجودة" على حد قوله، وتابع زاعماً: "حتى لو نظرنا من حق تأريخي، القرآن يتحدث عن بني إسرائيل، ما تحدث عن الفلسطينيين". واستدرك قائلاً: "إخواننا الفلسطينيون لهم حق في أن ندافع عنهم وندعمهم في إقامة دولتهم، ولكن ليس على حساب مصالحنا "!!.
جدير بالذكر، أن هذا الكاتب السعودي ظهر خلال الأسابيع الماضية عدة مرات على وسائل إعلام صهيونية ناطقة باللغة العربية، ودعا إلى تطبيع كامل مع العدو الصهيوني، وهو ما احتفت به وزارة الخارجية الصهيونية على موقعها الرسمي باللغة العربية يوم19/1/2019. والى ذلك ظهر الغبين على القناة الصهيونية i24 News ، وقال على شاشتها: " إن قضية فلسطين لم تعد تهمنا، ولا يعيننا من يحكم القدس، والتطبيع مع "إسرائيل" قادم، ولا يوجد خيار من أجل الاستقرار والنمو الاقتصادي، إلا بالتطبيع الكامل مع "إسرائيل" اليوم قبل غد".على حد قوله وزعمه.
تبادل الود والإطراء وتأكيد التعاون والتنسيق الأمني وتطور العلاقات بين الطرفين السعودي والصهيوني قاد عدداً من الصحف الأمريكية والغربية إلى التكهن بقرب اللقاء بين بن سلمان ونتنياهو، خصوصاً خلال جولة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الأخيرة في المنطقة، حتى ان صحيفة وول ستريل جورنال الأمريكية قالت في عددها يوم 7/1/2019 ،"أنها لن تكون مفاجأة مشاهدة رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو، وهو يحط رحاله في السعودية للقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان" مشيرة-الصحيفة- إلى أن لقاء من هذا النوع سيكون له مغزى كبير. وفي مقال كتبه الكاتب كارين اليوت هاوس في الصحيفة في ذلك التاريخ، جاء فيه، في السياق المذكور، تأكيد الكاتب، على أن زيارة بومبيو للمنطقة كانت تهدف وفق الكاتب، "إلى تأكيد أن الولايات المتحدة تقود تحالفاً واسعاً ضد إيران، وعناصر هذا التحالف الرئيسة هي السعودية و"إسرائيل"، اللتان تشتركان في المخاوف من التغلغل الإيراني بالمنطقة، وهما أقرب الحلفاء إلى الولايات المتحدة، وحافظتا على اتصالات غير رسمية، ولكن ليست سرية، كما تبادلتا المعلومات عن عدوهما المشترك- إيران-، ولكن لماذا تريد أمريكا الآن أن تكون هذه العلاقات رسمية؟ ". ويجيب الكاتب عن تساؤله بالقول " إن اجتماعاً بين نتنياهو وبن سلمان سيكون بمثابة حجر الزاوية في جهود الرئيس الأمريكي الساعية لعزل إيران واحتوائها، ويقال إن هناك لامبالاة في الشارع العربي تجاه قضية نقل السفارة الأمريكية لدى "إسرائيل" إلى القدس. وهو ما منح ولي العهد السعودي الثقة للمضي في علاقاته مع تل أبيب، وحدث مثل هذا سيحول الانتباه العام والإعلام عن المشاكل التي يواجهها القادة الثلاثة: نتنياهو وترامب وبن سلمان". وهكذا، روجت بعض الصحف إلى احتمالية إعلان العلاقات بشكل رسمي بين الرياض وتل أبيب لدرجة أن بعض منها توقعت أن يعيد بن سلمان خطوة السادات، ويخطب في الكنيست !!
والسؤال إذن، هو ما الذي يحول دون هذا الإعلان، ما دام كل شيء يجري وفق استراتيجيات الطرفين؟
أعتقد أن ثمة أسباب كثيرة ما زالت تشكل عقبة أمام إعلان النظام السعودي العلاقات الرسمية مع العدو الصهيوني، منها ما يلي:-
1ـ فشل النظام السعودي في تدجين الأمة، صحيح أن موقف هذه الأمة من نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، كان ضعيفاً وخجولاً، الأمر الذي شجع الأمريكان والصهاينة والسعوديين على متابعة فصول تصفية القضية الفلسطينية وتظهير التطبيع السعودي-الصهيوني...صحيح أن الموقف كان ضعيفاً، غير أن ذلك لا يعني أن الأمة نسيت قضيتها واستسلمت لما يقوم به بن سلمان والصهاينة والأمريكان، بل إن الأمة كانت تكمن غضبها وتبرمها من تصرفات وسياسات بن سلمان المتماهية مع السياسات الأمريكية والصهيونية في المنطقة، ولعلّ تفجرّ هذا الغضب العارم لدى الأمة في تونس والجزائر خلال زيارات بن سلمان لهذين البلدين قبيل وبعيد مشاركته في قمة العشرين في الأرجنتين خير دليل على تبرم الأمة ورفض سياسات بن سلمان، حتى أن الأخير اختصر زيارته لتونس مضطراً لساعات عدة بسبب التحرك الجماهيري في هذا البلد ضد زيارته واستقباله والسماح له "بتدنيس" أرض تونس، بحسب ما جاء في خطاب وأدبيات منظمات المجتمع المدني التي نظمت هذه الاحتجاجات ضد زيارة بن سلمان لتونس، والتي اعتبر بعضها أن بن سلمان خان الأمة ومبادئها الإسلامية وكذلك مقدساتها.
2ـ إن سياسة ترامب العدوانية والفجة ضد البلدان الإسلامية عامة، وسياسة الابتزازية المهينة للنظام السعودي نفسه، حيث يتعامل معه ككيس أموال وكعبد عليه الطاعة والدفع، ثم سياسة نتنياهو العميقة الدموية للشعب الفلسطيني المظلوم كل ذلك قوض من تحركات النظام السعودي تجاه إعلان التطبيع بشكل رسمي مع العدو الصهيوني، فهذه السياسات الفجة والمتغطرسة للنظامين الأمريكي والصهيوني، والتي لها لما تنطوي على تحدي والاستهتار بمشاعر الأمة وبمقدساتها، عرّت النظام السعودي أمام الرأي العام، ونسفت كل محاولاته في خداع هذه الأمة وتضليلها حول تحركاته الحقيقية، ومحاولاته إقناعها بمبررات تحالفاته مع الكيان الصهيوني، وبالتالي بات من الصعب على النظام السعودي إعلان التطبيع الرسمي وسوقه المبررات المقنعة له، مما يعني أن أي خطوة من هذا القبيل يقدم عليها النظام تشكل مجازفة كبيرة له قد تهدد وجوده في السلطة، سيما في ظل تحديات داخلية وخارجية باتت كبيرة ومتفاقمة في ظل استمرار العدوان السعودي على الشعب اليمني، وإخفاق هذا العدوان في تحقيق انتصار ناجز رغم مرور أكثر من 4 سنوات على هذا العدوان.. وفي ظل تزايد الضغوط الأوربية ومنظمات المجتمع المدني في الدول الأوربية، على هذا النظام على خلفية ما يقوم به من قمع دموي للمعارضين في الداخل، وعلى خلفية جريمته في اغتيال الصحفي المخضرم جمال خاشقجي وتقطيع جثته وإخفائها، وأيضاً على خلفية المذابح المروعة التي يقتفها بحق الأطفال والنساء والشيوخ في اليمن لكسر ثبات وصمود الشعب اليمني المظلوم.
3ـ إن النظام السعودي لم يفشل في أن يكون قائداً للدول العربية والإسلامية وتكتيل قوى عربية وإسلامية وراءه لإسباغ نوع من الشرعية والمبررات لتسويغ سياساته المتماهية مع أمريكا والمطبعه مع العدو.. لم يفشل في ذلك وحسب، إنما فقد موقعه السابق وثله الذي كان يتمتع به بين الدول الإسلامية، قبل مجيء سلمان وابنه، فكانت كلمته مسموعة من كثير من الدول الإسلامية، بل ويحظى بالاحترام، وطالما ظلت هذه الدول تتعاطف مع سياساته وتؤيدها ولكن منذ تولي بن سلمان وأبوه السلطة في السعودية فقدت الأخيرة مكانتها، وبدأت الدول العربية والإسلامية التي كانت تمشي ورائها تبتعد عنها خوفاً من التبعات الخطيرة التي يمكن أن تطالها نتيجة سياسات بن سلمان الطائشة تارة والعدوانية تارة أخرى، ولهذا وجدنا أن الباكستان ابتعدت بمسافة عن سياسات النظام السعودي، كما ابتعدت الكويت، وعُمان اللتان كانتا تشكلان ثقلاً للسعودية وعمقاً استراتيجياً تحت مظلة "مجلس التعاون الخليجي" كل ذلك جعل خطوة النظام السعودي في الإقدام على إعلان العلاقات رسمياً مع العدو محفوفة بالمخاطر، ويمكن أن تؤدي إلى عزلته داخليا وخارجياً أيضاً.
4ـ الجيش السوري في مراكمة الانتصارات في محاور الصراع مع أدوات وقوى المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، فهذه الانتصارات التي دفعت بأمريكا إلى إعلان الانسحاب من سوريا، والى الاعتراف بشكل غير مباشر بالهزيمة أربك حسابات النظامين السعودي والصهيوني، وجعل من قضية إعلان التطبيع بشكل رسمي في غاية الخطورة على وجود واستقرار النظام السعودي، وذلك ما حال دون الإعلان عنها رسمياً.
5ـ تحرك بعض الأوساط العلمائية لدى الأمة بتجريم التطبيع مع العدو، وتحريم التعاون والتنسيق معه، ما شكل ذلك إحراجاً للنظام السعودي أمام الأمة، صحيح أن هذا التحرك لم يكن بالمستوى المطلوب، لم يكن بمستوى التحدي الأمريكي الصهيوني السعودي لمقدسات الأمة ولهويتها..لكنه مع ذلك شكل إحراجاً واضحاً لآل سعود! ففي هذا السياق أصدرت الهيئات العلمائية في العراق وفي اليمن وفلسطين ولبنان وسوريا يوم 10/12/2018 بيانا مشتركاً حرّم التطبيع مع كيان العدو الصهيوني، ودعا لتحرير المقدسات الإسلامية. وأكد البيان المشترك لعلماء المسلمين، أن المسجد الأقصى هي قضية الأمة الإسلامية الأولى والمركزية، مشيراً إلى أن قضية فلسطين ليست محصورة بالفلسطينيين ولا بالعرب فحسب، بل هي قضية كل المسلمين.كما أكد علماء المسلمين في هذا البيان على حرمة التطبيع مع الكيان الغاصب واعتبروه خيانة عظمى للمقدسات والحقوق الإسلامية وخيانة لدماء وأرواح الشهداء الذين مضوا في سبيل استعادة الحق المغتصب طيلة مراحل الصراع. والأكثر من ذلك أن العلماء أعلنوا رفضهم القاطع لتواطئ وتآمر الأنظمة الحاكمة لدول العالم العربي والإسلامي وعلى رأسها أنظمة الخليج الغارقة في الوهم مع اليهود والنصارى المعادين لامتنا، معتبرين التطبيع مع العدو مخالفة لشريعة خاتم الأنبياء والمرسلين والنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله (ص)، وخطيئة كبرى سيحملون عارها وشنارها وأوزارها وآثارها إلى يوم القيامة، كما جاء في بيان العلماء المشار إليه. هذه التحركات وان كانت محدودة كما أشرنا لكنها أعطت دفعاً قوياً لوعي الأمة، ذلك الذي بدأ النظام السعودي وأسياده يحسبون له الحساب الكبير في سياساتهم التطبيعية وغير التطبيعية.