بقلم: فيصل التويجري
تكاد الرواية أن تكتمل، لقد قتل جمال خاشقجي في مكتب القنصل السعودي محمد العتيبي وأمام عيني الرجل الذي غادر فجأة الى الرياض، بعد أن هدده عناصر في فريق الاغتيال بالصمت اذا أراد البقاء حياً. انها كانت حفلة دم تقشعر لها الأبدان فلقد حقن الصحفي البارز جمال خاشقجي وكان أعزل تماماً ووحيداً تماماً بين أيديهم، ثم بدأ صلاح الطبيقي بتقطيع جسد خاشقجي وهو حي بمنشار خاص جلبه وفق بعض المصادر من الرياض. والأسواء من ذلك أن الطبيقي بالرغم من أنه من أبرز الجراحين السعوديين، فعل تلك الجريمة وهو يستمع الى الموسيقى حيث طلب بدم بارد من أعضاء فريق القتل تشغيل الموسيقى لأنها تساعده على التركيز.
وأمام هذه المعلمات يبقى السؤال من نسق العملية برمتها؟ أصابع الاتهام على الأقل وبحسب نيويورك تايمز الأمريكية تشير الى ماهر عبد العزيز مطرب، وهو واحد من الصناديق السود الغني بالمعلومات والذي لم يفتح بعد، وبحسب الصحيفة فقد تولى ماهر تنسيق العملية وتحضير الأمور اللوجستية للعملية.
من هو ماهر عبد العزيز مطرب؟
بحسب صحيفة نيويورك تايمز فان مطرب كان دبلوماسياً في السفارة السعودية في لندن عام 2007، والأهم أنه رافق محمد بن سلمان في زياراته الى واشنطن ومدريد وباريس خلال هذا العام. لكن ماذا فعل المطرب بالضبط؟ المعلومات تقول أنه قد استأجر هو لا غيره وباسمه الطائرتين الخاصتين اللتين أقلتا فريق الاغتيال ذهاباً وعودة. وهو لا غيره من كان يبلغ المعنيين في الرياض بالوقائع والمستجدات، حيث أجرى وفق مصادر أخرى 19 مكالمة بينها أربعة مكالمات مع السكرتير الخاص بولي العهد السعودي. وللرجل بحسب نيويورك تايمز صورة نشرتها السلطات التركية لدى وصوله الى إسطنبول، ما يعني انه لم يكن في رحلة سياحية بل في مهمة بالغة الخطورة استدعت حضوره في مسرح الجريمة، والا فبما يفسر قصر رحلته الى إسطنبول؟ إضافة الى ذلك الكم الهائل من الاتصالات خلال وجوده فيها وبعضها للمفارقة أجريت مع مكتب أكبر مسؤول في السعودية وهو ابن سلمان نفسه.
فريق الاغتيال
ثمة ما هو أكثر خطورة بحوزة الصحيفة والمصادر، فهناك 3 آخرون في فريق الاغتيال من الدائرة الأمنية الضيقة والأقرب لولي العهد، أحدهم عضو الفريق الأمني الذي سبق أن رافق بن سلمان نفسه في بعض زياراته الخارجية، والآخران عضوان في الحرس الملكي السعودي وثمة صور لأحدهما وهو لا يبعد أكثر من مترين عن ولي العهد خلال أحد استقبالاته. فهل يتصرف هؤلاء بمحض اختيارهم؟
موقع ميدل ايست أي يوضح أكثر، فسبعة من فريق الاغتيال هم أعضاء في فريق الحماية لولي العهد، وهم ضباط رفيع المستوى، رافقوا بن سلمان في زيارات خارجية. ويقول الموقع انه حصل على وثيقة من وزارة الداخلية السعودية تظهر أسماء هؤلاء ورتبهم العسكرية وتواريخ مواليدهم وأرقام هواتفهم وجوازات سفرهم والرحلات التي رافقوا خلالها ولي العهد محمد بن سلمان.
وفي هذا السياق يؤكد المدير التنفيذي لمعهد الشؤون الدولية والمُحاضر بجامعة جونز هوبكنز الأميركية إدوارد جوزيف أن الخناق بدأ يضيق على السعودية، والمعلومات المسربة تجعل من الصعب الإبقاء على فكرة أن العملية لم تتم الموافقة عليها من أعلى المستويات في الرياض. وأوضح جوزيف أن الأفراد لديهم علاقات وثيقة مع الحرس الملكي، والمدعو مطرب سافر مع ابن سلمان في رحلات عدة، وبالتالي من الصعب جدا تصديق أن هذه العملية نفذتها عناصر مارقة أو أعداء لابن سلمان، أو أنها خرجت عن سيطرته الشخصية.
إذا التفاصيل تتزايد والدائرة تضيق، فكيف ينشق من هو مقرب ويعود الى الرياض ولا يعاقب ولا يلقى القبض عليه؟ وثمة لدى كثيرين ما هو أهم، ففي اليوم الرابع لإخفاء خاشقجي واغتياله المفترض، خرج محمد بن سلمان لينفي وجود الصحفي البارز في القنصلية او في الرياض، وقال انه دخل القنصلية وخرج منها بعد نحو 20 دقيقة وبعد ذلك فاجأ سفير الرياض لدى واشنطن وقد ظهر مستقبلاً بومبيو تأكيده أن "شيئاً أياً كان لا يمكن أن يحصل في القنصلية من دون علم السلطات"، وبدى الرجل أيضاً حازما وحاسماً في معرض نفيه فرضية الاغتيال، فكيف تفسر تصريحات الرجلين وكلاهما أميران ومتنفذان وأحدهما ولي العهد. وكيف تستقيم مع تسريبات سعودية رفيعة المستوى تقول إن الرياض تبحث الإقرار بمقتل الرجل لكن بالخطأ وبأن فريقاً مارقاً هو من نفذ لإرضاء بن سلمان لكن من دون علمه. ومن المارق حقا، الذي يعلم بما جرى ونفى أم من نفذ واستدعي على عجل لربط الحبل حول عنقه؟ ثمة ضحية قد غدرت تلك هي الحقيقة الباردة وجريمة ارتكبت وثمة جان لا يعنيه بمن سيضحي انه يقلب الخيارات والسيناريوهات بهدف واحد فقط أن ينجي هو.