بقلم: عبد العزيز المكي
لعلّ الكثير من المتابعين والمراقبين لتطورات مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول بعد دخوله في قنصلية بلاده في الثاني من تشرين الأول الماضي، على يد فريق موت سعودي أرسله بن سلمان لتنفيذ هذه المهمة...ثم ردود الأفعال الكثيرة من أوساط أمريكية سياسية وإعلامية...لعلّ الكثير من هؤلاء المتابعين طرح هذا التساؤل، وهي لماذا يستميت ترامب في الدفاع عن النظام السعودي،وعن بن سلمان، فالرجل تعرض إلى ضغوط هائلة من الوسط الصحفي الأمريكي ومن أوساط الكونغرس الأمريكي، وحتى من مؤسسات أخرى، بل إن السي آي إي أصدرت بياناً أكدت فيه المسؤولية المباشرة لبن سلمان في إصدار الأوامر بقتل خاشقجي، وإرسال فريق الموت السعودي المكون من 15 شخصاً الى تركيا للقيام بهذه المهمة، حتى أن ترامب أُتهم من قبل أعضاء في الكونغرس، ومن قبل كتاب أمريكيين بارزين، بأنه يبيع القيم الأمريكية بحسب تعبيرهم لقاء صفقات الأسلحة...وبأن لديه مصالح خاصة، مع آل سعود يقدمها على مصالح الولايات المتحدة، وما إلى ذلك من الاتهامات، وقد يكون بعضها صحيحاً، لكن هذه الضغوط الهائلة التي يطالب أصحابها ترامب بفك ارتباطه وتحالفاته ببن سلمان وبالسعودية، اضطرت الرجل إلى تذكير هؤلاء بالدور الأساسي الذي يقوم به النظام السعودي، بشكل عام، وما يقوم به بن سلمان تحديداً في المرحلة الحالية، حيث قال"..لو تنظرون إلى إسرائيل، لولا السعودية لكانت "إسرائيل" في ورطة كبيرة-مأزق- ماذا يعني ذلك؟ هل ستغادر" إسرائيل"؟ هل تريدون مغادرة إسرائيل!؟...لدينا حليف قوى جداً في السعودية، لدينا حليف يقول انه لم يرتكب هذا العمل الوحشي على مستويات عليا كولي العهد والملك" ثم يستطرد ويقول..إن السعودية حليف عظيم في كفاحنا المهم جداً ضد إيران، الولايات المتحدة تنوي البقاء شريكاً راسخاً للسعودية لضمان مصالح بلادنا و"إسرائيل"...إنهم – أي السعوديين-يحافظون على انخفاض أسعار النفط، الحقيقة هي أن السعودية دولة مفيدة في الشرق الأوسط، لولاها لما كان لدينا قاعدة كبيرة في المنطقة.." ويتابع ترامب قائلاً "هل يريدونني أن أتخذ موقفاً متهوراً تجاه السعودية ولدينا معها صفقات بمليارات الدولارات التي ستوفر قيمتها مئات الوظائف الأمريكية، وهل يريدون حقاً مني التخلي عن مئات الآلاف من الوظائف؟".
تصريحات ترامب على جانب كبير من الأهمية، سيما وان النظام السعودي، لم يعقب عليها، ولم ينفعها، بمعنى أنه يؤيدها، بل أكثر من ذلك، انه يعتبرها إمتيازاً وافتخاراً له، وتاجاً له، ذلك أن النظام أعتاد أن ينفي على لسان وزير خارجيته عادل الجبير، ما كان يصرح به المسؤولون الصهاينة حول التعاون والتنسيق بين الكيان الصهيوني وهذا النظام، ولذلك فأنه ينبغي التوقف عند مفردات شهادة ترامب بدور النظام السعودي ومهمته التي اُعد لها منذ قيامه وحتى اليوم. وأستميحكم عذراً أيها الأخوة الأعزاء القراء، لأشير الى نقطة في غاية الأهمية، قبل التطرق الى معاني ودلالات تصريحات ترامب.
الفرق بين بن سلمان وأسلافه:
البعض من المحللين أعتبر ومازال للأسف، أن بن سلمان نقل " النظام السعودي من مرحلة إلى أخرى"من " التخلف والانغلاق إلى الانفتاح والتطور"، وما إلى ذلك من التصورات الخاطئة التي كرسها الأعلام السعودي في أذهان البعض زوراً وتضليلاً وطماً للحقيقة، فبن سلمان لا يختلف عن أسلافه من ناحية الدور الذي يقوم به هذا النظام في المنطقة، ولا يختلف عنهم من ناحية البطش والقتل والأجرام، ومن ناحية التفكير وتبني الفكر الوهابي المنحرف، على الرغم من أنه يصرح بأنه يريد مغادرة البلاد لهذا الفكر المنحرف، لكن هذا الكلام أثبت أنه يُطلق من أجل تسويق شخصية بن سلمان نفسه، إنما الفرق الوحيد بين بن سلمان وأسلافه، هو أن الأول أكثر جرأة وتحدياً لمشاعر الشعوب العربية والإسلامية في لعب دور بارز في إطار المشاريع الأمريكية الصهيونية، أما الأسلاف فكانوا يقومون بهذا الدور لكنهم يقومون به من وراء الكواليس وفي الخفاء تجنبا للإحراج أمام الأمة، لأن قيامهم بهذا الدور المضاد لمصالح الأمة يتناقض وادعاءاتهم وشعاراتهم، وعباءاتهم الإسلامية، ولافتاتهم التي يتلطون وراءها ويخدعون أبناء الأمة، مثل "خادم الحرمين الشريفين" وزعيم الدول الإسلامية وما إلى ذلك من المسميات الإسلامية الزنانة...ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن الأميركان والصهاينة يفضلون من له الجرأة في الإعلان عن تحالفه معهم، ومن له تطلعات الريادة في أن يكون رأس حربة المشاريع الأمريكية والصهيونية، على شاكلة بن سلمان الذي يتطلع لأن يكون الملك القادم ولأن يكون " اسكندر المنطقة" !!، أي شرطي المنطقة، لأن مثل هذا الشخص يستطيع الأميركان والصهاينة تمرير مخططاتهم من خلاله بتوظيف حماقاته وطموحاته، كما استغلوا طموحات صدام المقبور المماثلة في تدمير العراق وجيشه وشعبه، وتدمير المنطقة و لهذا السبب تقول الكاتبة الصهيونية في صحيفة هاآرتيس، تسيفا غرينفيلد " إن محمد بن سلمان هو الزعيم الذي كانت تنتظره إسرائيل منذ 50عاماً" موضحة أن عزله من ولاية العهد " سيكون مدمراً لإسرائيل"، داعية المجتمع الدولي إلى ضرورة التساهل معه! وللسبب ذاته يقول المحلل الصهيوني حيمي شاليف في صحيفة هاآرتيز نفسها في عددها اليوم 24/11/2018..." إن نتنياهو ومبعوثوه، وفي مقدمتهم السفير في واشنطن رون ديرمر، يعملون بدون كلل وملك في الأسابيع الأخيرة بصورة مباشرة وبواسطة مندوبين، من أجل دعم ترامب، ولكي يمنعوا إدارته، حسب أقوال ديرمر، من (رمي مياه الحمام مع الأمير)، موضحاً-أي المحلل شاليف- نقلاً عن المصادر نفسها أن "إسرائيل" قامت بتوفير درع واقية للرئيس الأمريكي للدفاع عنه من منتقديه الكثيرين، ديمقراطيون وجمهوريون، الذين يطالبون بسياسة متشددة أكثر، بما في ذلك عقاب شخصي لبن سلمان".وكان نتنياهو نفسه قد دافع عن بن سلمان ودعا الى عدم معاقبته على قتل جمال خاشقجي لأن بن سلمان حليف استراتيجي للنظام الصهيوني بحسب قوله، وكذلك سفيره في واشنطن دافع هو الآخر بشكل مستميت عن بن سلمان..وإذا أردنا أن نحصي إطراءات المسؤولين الصهاينة على الملك سلمان وابنه تحديداً فأننا نحتاج إلى مجلدات فهي أكثر من أن تحصى لأنه وكما يقول الصهاينة أنفسهم، هو الشخص الذي تبنى التطبيع العلني مع العدو الصهيوني، هذا أولاً، وثانياً أبدى استعداده لتنفيذ المشاريع الصهيونية المضادة لتطلعات الأمة والمعادية لها، ومنها محاولة إقامة ناتو عربي صهيوني لمحاربة إيران ومحورها، وثالثاً: انه الرجل الذي يرى الصهاينة من خلاله، أنهم قادرون على تصفية القضية الفلسطينية، ورابعاً: أنه الرجل الذي وضع الأموال النفطية للمملكة والهائلة ليس في خدمة ترامب ومشاريعه الخاصة والعاقة، بل وفي خدمة الكيان الصهيوني ومشاريعه عبر الهبات المباشرة وعبر صفقات أسلحة، وعبر إقامة المشاريع الاقتصادية، مثل وصل العدو مع دول الخليج بشبكة سكك قطار،وإقامة جسور ومراكز ومدن سياحية في البحر الأحمر وجزاير تيران وصنافير، وأمور أخرى باتت معروفة للقاصي والداني..
أعود إلى تصريحات ترامب لنقرأ مداليلها وأبعادها بصورة عملية وحيادية..وذلك من خلال النقاط التالية:
1. كنست شهادة ترامب بدور النظام السعودي في دعم ووجود واستمرارية قيام الكيان الصهيوني، كل مفاهيم التضليل والخداع، ومزقت كل أنسجة الكذب والتزوير والأوهام التي نسجها واصطنعها الأعلام السعودي والاعلام الأجير العربي منه والغربي حول حقيقة وظيفة آلسعود في المنطقة، فمنذ أكثر من عقدين من الزمان، ونحن نقول، كما هو حال غيرنا من بعض الكتاب والمحللين، أن النظام السعودي الذي سلطه المستعمرون البريطانيون عام 1937 بقوة السلاح والقتل والبطش، على رؤوس أهالي الجزيرة (نجد والحجاز وملحقاتهما)، هو الصنو والتوأم للنظام الصهيوني، الذي مهد نفس المستعمر البريطاني لقيامه عام1948م على أرض فلسطين بعد اغتصابها، وتشريد وقتل شعبها..فهذان الكيانان أقُيما ليكونا أحدهما رافعة للآخر، فالأول لا يمكنه العيش بدون الثاني، والعكس صحيح أيضاً، لكن للأسف بعض الناس،وحتى بعض الدول لاتريد التصديق بهذه الحقيقة رغم توفر المصاديق العملية والمتمثلة بشهادات الخبراء، وبسلوكيات هذا النظام منذ نشأته وحتى اليوم، فهذا النظام اختار له الانجليز العباءة الإسلامية ليتلطى وراءها ولينجز المهمة الموكلة له باسم الإسلام، وباسم الدفاع عن المسلمين، ومن أخطر مفاصل هذه المهمة ضرب الإسلام المحمدي الأصيل، وإنتاج إسلام جديد، هو الإسلام الوهابي التكفيري، عبر محمد بن عبد الوهاب، المعروف بارتباطه بالاستعمار البريطاني، والذي أعدهُ البريطانيون لهذه المهمة، بالتعاون وتقاسم السلطة والنفوذ والثروة مع آل سعود، والقصة معروفة. للأسف صدق البعض من الناس،شعارات هذا النظام الإسلامية، وساقه التضليل الإعلامي والتبرودولار السعودي، للانجراف نحو تأييد هذا النظام والدفاع عنه، وإسباغ صفة " الوطنية" و"العروبة" و" الاسلامية" عليه!!
الانكى من ذلك، انه حتى عندما بدأ نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني يعترف بحميمية العلاقة مع النظام السعودي، وبتعاونه وتحالفه مع الكيان الصهيوني، ظل البعض من الناس، يكذب هذا الأمر، ويعتبر ما يقوم به مسؤولو العدو الصهيوني من تسريب حول دور النظام السعودي وبقية الأنظمة التي تلهت وراء التطبيع، في دعم المشاريع الصهيونية، ومحاولة دمج الكيان الغاصب في نسيج المنطقة، مجرد محاولات صهيونية لكسر الحواجز النفسية، ولتشجيع الآخرين على التطبيع والارتباط مع العدو..من المحللين السائرين في فلك النظام من يلتمس للأخير العذر، بأن وزير خارجيته في بعض المرات ينفي ما يصرح به المسؤولون الصهاينة حول التحالف السعودي الصهيوني الخفي والعلني..غير أن شهادة ترامب الآنفة جاءت لتخرس كل الأخوة وتضع النقاط على الحروف وتدمر كل جدران التضليل والكذب، ولتعري النظام السعودي من عباءته " الإسلامية" أو جلابيبه " العربية"، سيما وان النظام السعودي لم يلق عبر الجبير أوغيره على تلك الشهادة " الترامبية"، ما يعني التأييد والتأكيد لهذا الدور الذي أشار إليه ترامب في حماية الكيان الصهيوني، بل ذهب بعض المحللين العرب إلى أن النظام السعودي لم يؤكد بسكوته وعدم رده على تصريحات ترامب أو ترامب أو نفيها وحسب، وإنما إعتبرها إمتيازاً وفخراً وتاجاً !!
2. إنطلاقاً من المعادلة التي أشرنا إليها قبل قليل، أي أن بن سلمان، يمثل النظام السعودي، وهو من إنتاجه، فأن التخلي الأمريكي عنه، ثم استبداله بأمير آخر، يعني إسقاط الحصانة عنه، وإمكانية تقديمه للمحاكم الدولية، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى اهتزاز النظام السعودي من جذوره، وجعله أقل ثباتاً وصموداً أمام الشعب الجزيري في المملكة الذي سوف يزداد جرأة وتحدياً بعد الضعف الذي سو يُصاب به هذا النظام المتخلف، وكان ترامب قد اعترف نجواء هذا النظام وعدم قدرته على الصمود لأكثر من أسبوع، وترامب يقصد التحدي الشعبي، والغضب الذي يعتمل في نفوس جماهير المملكة من هذا النظام وتطلع هذه الجماهير للتخلص من هذا النظام الفاسد.ولأن النظام الصهيوني ووجوده يعتمد على بقاء ووجود النظام السعودي بحسب معادلة ترامب الآنفة، فأن سقوط النظام السعودي، يعني رحيل الكيان الصهيوني كما قال ترامب، واهتزاز النظام السعودي وتخلخل قواعده، حتى لو لم يسقط من شأن كل ذلك، أن يعطل المشاريع الصهيونية، ويقوض الوظيفة التي يقوم بها النظام السعودي خدمة للصهاينة والأميركان..وهذا بحد ذاته يشكل كارثة ولذلك خاطب ترامب المنتقدين له والمطالبين بالتخلي عن بن سلمان وعن الدفاع عنه بعد قتله لجمال خاشقجي، قائلاً لهم، أتريدون رحيل " إسرائيل"،يعني انه إذا نفذت مطالبكم الآنفة فأن الدائرة سوف تدور على الكيان الصهيوني نفسه، وعلى مصالحنا في المنطقة هذا هو لسان حال ترامب.
3. يؤشر تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبوضوح إلى أن سقوط أو اهتزاز النظام السعودي، سيوجه ضربة قاصمة للقوة الأمريكية، وذلك ينطوي على كثير من الصحة لأسباب عدة منها:
أولاً: إن النظام السعودي يعتبر العنصر الضامن لاستقرار الاقتصاد الأمريكي بل والغربي أيضاً، من خلال التحكم بأسعار النفط، بالمستويات التي تتناسب واستقرار بل وانتعاش الاقتصاديات الأمريكية والغربية، فكلما زاد سعر البترول تقوم السلطات السعودية بخفضها مستفيدة من قدرتها الانتاجه الهائلة، وهذا هو ديدن هذه السلطات منذ بدء إنتاج النفط وحتى اليوم، وأخيراً وليس آخراً طلب ترامب من السعودية زيادة إنتاجها لخفض الأسعار، بسبب ارتفاعها وللتعويض عن تراجع الإنتاج الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية فأقدم النظام السعودي على ذلك، وخفض الأسعار من أكثر من 80 دولاراً إلى أكثر من 50دولاراً، رغم أن السعودية بحاجة ماسة إلى الأموال بسبب نفقات عدوانها الظالم على اليمن الهائلة والمتزايدة يوماً بعد آخر، وهو ما دفع ترامب على الأطرار على النظام السعودي، حيث قال " أسعار النفط تتراجع...عظيم..مثّل تخفيض ضريبي كبير لأمريكا والعالم 54 دولاراً، كانت 82 دولاراً (للبرميل الواحد). شكراً للسعودية، ولكن دعونا نذهب إلى أسعار أقل" وأضاف ترامب في تغريدة أخرى: " لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً". إذن عظمة استمرارية القوة الأمريكية مرهونة بوجود هذا النظام العميل.
ثانياً: إن النظام السلماني وضع الأموال السعودية تحت تصرف الرئيس الأمريكي لإنعاش الاقتصاد الأمريكي وهذا ما اعترف به ترامب نفسه، في بيان جاء فيه " إن السعوديين وافقوا على إنفاق واستثمار 450 مليار دولار في أمريكا". وثالثاً: عقد السعوديين صفقات هائلة بمئات المليارات من الدولارات مع ترامب لشراء الأسلحة، ذلك فضلاً عن الـ480مليار دولار التي منحها النظام السعودي لترامب في زيارته المشهورة للرياض، وبالتالي إن كل ذلك، جعل من السعودية عنصراً مهماً وحيوياً للولايات المتحدة والاستمرارية قوتها كما أشرنا، ولتآمرها على الأمة الإسلامية، فأمريكا ترامب تريد اليوم من النظام السعودي أن يوظف كل إمكاناته المالية والدينية لمواجهة إيران، خدمة لمصالح أمريكا والكيان الصهيوني، كما صرح بذلك ترامب نفسه.والنظام السعودي يعلن استعداده بل ويخطو خطوات كبيرة على صعيد التنفيذ كما بات واضحاً للجميع.