التطبيع السعودي الصهيوني والرسائل المتبادلة
بقلم: عبد العزيز المكي...
مما هو معروف، إن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ظلا طيلة الفترة الماضية، خصوصاً خلال فترة عدواني إسرائيل وأمريكا على طهران وحتى اليوم... ظلا يمارسان الضغوط على النظام السعودي من أجل إعلان التطبيع مع العدو الصهيوني، لكن محمد بن سلمان وإن استمر تعاونه مع العدو خصوصاً على الصعيد العسكري والأمني، رفض هذه الضغوط، ليس لأنه يرفض مثل هذا التطبيع ولكنه يعتقد بناءً على آراء خبرائه ومستشاريه، إن التطبيع أو إعلانه رسمياً مع العدو، سيكون له مردودات سلبية جداً على صعيد الرأي العام داخل السعودية وخارجها بسبب الاحتقان ومشاعر العداء عند الشعوب العربية والإسلامية بسبب العدوان على غزة وكذلك العدوان على طهران واستخدام أمريكا والعدو الصهيوني للقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضي الدول الخليجية ضد طهران، هذا أولاً، وثانياً، إن أي تعاون سعودي علني مع العدو الصهيوني ومع أمريكا، سيعطي أو يمنح الرأي العام المبرر الكافي لاتهام النظام السعودي بالخيانة والعمالة والاصطفاف مع الأعداء، خيانة الأمة والمقدسات الإسلامية!! وثالثاً: إن إعلان التطبيع مع العدو، يمكن أن تترتب عليه طلبات إسرائيلية، صحيح إنها تدعم هذا الجهد سراً، لكنها ترفض الانخراط علناً خوفاً من ردود الفعل التي قد تكون مدمرة وخطيرة على النظام، من الشعب في السعودية او من طهران وحلفائها، ما يمكن إن يؤدي ذلك الى سقوط النظام السعودي نفسه، التلكؤ السعودي في الاستجابة للطلبات والضغوط الإسرائيلية والأمريكية دفع بالكثير من المسؤولين الامريكان والصهاينة إلى انتقاد ابن سلمان وممارسة المزيد من الضغوط على النظام السعودي، وبشكل رسائل تستبطن تحذيرات واضحة لهذا النظام من المضي في عدم الانخراط بعملية التطبيع مع العدو، ومن هذه الرسائل ما يلي:
1ـ ربط ترامب موافقة واشنطن على التفاوض مع ايران لوقف العدوان بإعلان النظام السعودي التطبيع مع الصهاينة، ذلك عندما طلبت السلطات السعودية وبقية الدول الخليجية العربية وقف العدوان والجنوح الى المفاوضات، لأن الاستمرار في هذا العدوان يمكن أن يؤدي الى تداعيات وانعكاسات تشكل خطراً على تلك الأنظمة وعلى المنطقة برمتها، ولم يتخل ترامب عن هذا الاشتراط، إلا بعد أن أصبحت القوات الأمريكية في وضع حرج عسكرياً بسبب تلاحق الضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية والتسبب في خسائر فادحة لهذه القواعد بالمعدات والأفراد!
2ـ بالإضافة الى اشتراطات ترامب تحرك السناتور المقبور قبيل وفاته المفاجئة ليندسي غراهام على صعيد إنجاز مهمة التطبيع السعودي اليهودي، وزار السعودية والكيان الصهيوني قبل أن يتوفى في الأسابيع الماضية، حيث طالب السعودية بالإسراع في إعلان التطبيع والإنضمام الى قطيع المطبعيين العرب مع العدو الصهيوني ومن أجل دعم هذا الأخير وخلق أجواء سياسية وعسكرية مواتية لإسكات الشعوب ومنعها من التحرك ضد أمريكا والكيان الصهيوني والثأر منهما على جرائمهما التي ارتكبت في فلسطين ولبنان واليمن وايران.. وفيما يخص التهديدات التي أطلقها السناتور غراهام قبل موته، الى السعودية، زعم أن السعودية ودولاً غيرها ستواجه عواقب وخيمة، اذا لم تنضم الى اتفاقيات ابراهام (السلام مع العدو) في حال تم التوصل بين طهران وواشنطن الى اتفاق. واعتبر غراهام إن "انضمام السعودية وقطر وباكستان الى اتفاقيات ابراهام سيحدث تحولاً جذرياً في المنطقة والعالم" مشيراً الى أنها خطوة ذكية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب! وخاطب غراهام السلطات السعودية مباشرة قائلاً: "حان الوقت الآن لاتخاذ خطوات جريئة من أجل مستقبل شرق أوسط جديد، أتوقع كما أشار الرئيس ترامب، أنكم ستنضمون بالفعل الى اتفاقيات ابراهام، مما سينهي فعلياً الصراع العربي الإسرائيلي، اذا رفضتم السير في هذا المسار كما اقترح الرئيس ترامب، فستكون لذلك عواقب وخيمة على علاقاتكم المستقبلية، وهذا سيجعل مقترح السلام غير مقبول، علاوة على ذلك، سينظر إليه في التاريخ على أنه خطأ فادح" حسب وصفه، وختم قائلاً: للرئيس ترامب: "التزموا بموقفكم في التوصل الى اتفاق جيد مع إيران، والأهم من ذلك، التزموا بموقفكم في الإصرار على انضمام السعودية وغيرها الى اتفاقيات ابراهام كجزء من هذه المفاوضات" مردفاً: "مرة أخرى، هذا اقتراح رائع من الرئيس ترامب"!!
3ـ ممارسة الضغوط الأمريكية لم تتوقف عند حدود تهديد المقبور غراهام وحسب، بل بشكل غير مباشر، أرسلت وما زالت ترسل واشنطن إشارات باحتمالية استبدال ابن سلمان بأمير آخر، كما يفهم من هجوم الإعلامي السعودي عبد العزيز الخميس، الذي شنه على ابن سلمان خلال زيارته لتل أبيب في بداية شهر تموز عام 2026، ذلك في الوقت الذي يقوم العدو بالعدوان على جنوب لبنان، وفي الوقت الذي يرتكب فيه تلك المجازر المروعة والمتواصلة في غزة بحق الفلسطينيين، اذ وجه عبد العزيز الخميس انتقادات لاذعة لابن سلمان ودعا الى تغيير القيادة السعودية، معتبراً إن السعودية ارتكبت خطأ فادحاً بعدم الانضمام الى اتفاقيات ابراهام... وأضاف قائلاً: "إن ولي العهد السعودي فشل سياسياً واقتصادياً" موضحاً بالقول الصريح: "لا أحد يعلم ما هي سياسة ابن سلمان، حتى الآن لم يشرحوها لنا، ولم يشرحها هو لنا. أعتقد أنه فشل، وحتى في الاقتصاد فشل، توقفت العديد من المشاريع الكبيرة، ولهذا السبب لا يريد المشاركة في الحرب، حتى لا يزيد الوضع الاقتصادي في السعودي سوءاً"... واعتبر عبدالعزيز في حديثه لصحيفة (إسرائيل هيوم) إن السعودية أضاعت فرصة استراتيجية بعدم انضمامها الى اتفاقيات ابراهام!! زاعماً: "إن إيران كانت الرابح الأكبر من تعثر مسار التطبيع بين السعودية وتل أبيب"! ودعا الخميس الى تغيير القيادة السعودية قائلاً: "إن المملكة بحاجة الى قيادة أكثر صرامة لاستعادة دورها الإقليمي" وأضاف "يجب أن أتحدث بصراحة وأن أقول للناس، وخاصة السعوديين، إن التغيير ضروري نحن بحاجة الى قيادة حازمة لاستعادة مكانتنا كقادة للخليج والدول العربية، يجب أن نكون حازمين مع الجماعات الإسلامية، شيعية وسنية، الموجودة بيننا، لسنا أصدقاء مع جماعة الإخوان المسلمين"!
جدير بالإشارة إن عبد العزيز الخميس أدلى بهذه التصريحات أثناء وجوده في تل أبيب في إطار زيارته الخامسة الأخيرة للعدو، ما يعني، أنها (أي تلك التصريحات) بدفع واضح من جانب القيادة الصهيونية لتوجيه رسالة تحذير لابن سلمان!
4ـ ممارسة العدو الصهيوني المزيد من الضغط والتحريض على الإدارة الامريكية من أجل حثها على مضاعفة ضغوطها وابتزازها للنظام السعودي بهدف إقناعه أو إجباره على تبني أحد الخيارين الخطيرين وهما: الأول: إما مغادرة القيادة السعودية موقف التظاهر بالحياد عن العدوان الأمريكي الصهيوني على طهران، والمشاركة العلنية والرسمية في هذا العدوان، ووضع كل الإمكانات التي تمتلكها السعودية في خدمة العدوان ضد طهران... وطالبت الأوساط الصهيونية إدارة ترامب استخدام كل أوراق الضغط الممكنة بيده لدفع ابن سلمان لتنفيذ هذه المطالب والانخراط في الحرب على ايران، لمنح هذه الحرب نوعاً من الشرعية من جهة ومن جهة ثانية تمكين العدو وأمريكا من توظيف الإمكانات السعودية في جهد العدوان على طهران!! والثاني: أو فتح جبهة ضد الحوثيين لأشغالهم عن العدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى غزة، وأيضا لكسر معادلة وحدة الساحات التي تؤكد عليها طهران وقوى المقاومة في مواجهة العدو وأمريكا، واذا تحقق مثل هذا الأمر فانه يعزز ما يقوم به العدو وبدعم أمريكي، في لبنان في هذا الإطار!!
وللأسف فأن النظام السعودي استجاب للضغوط الامريكية والصهيونية بالتصعيد مع الحوثيين اذ استهدف مطار صنعاء بغارة جوية حالت دون هبوط الطائرة المدنية الإيرانية التي كانت تقل الوفد اليمني الذي شارك في تعزية الإيرانيين بمناسبة دفن وتوديع قائدهم اية الله السيد علي خامنئي، بالإضافة الى عدد من المجروحين اليمنيين الذين كانوا قد جاءوا لإيران للتطبب... مما دفع بالحوثيين الى الرد وقصف مطار أبها وتثبيت معادلة جديدة، المطار بالمطار، والميناء بالميناء، والحصار بالحصار، فمثلما يحاصر النظام السعودي اليمن منذ 10 سنوات بدأ الحوثيون يفرضون على النظام حصاراً بحرياً ونفطياً من جهة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وإذا تطور التصعيد الى أكثر من ذلك، كما تريد أمريكا والعدو الصهيوني، فأن الأمور ستصبح خطيرة جداً على النظام السعودي بالتأكيد!!