عاجل:
واشنطن تنقل فشلها للسعودية: هل تأخذ السعلوة العِبرة
الاخبار 2026-09-12 07:54 710 0

واشنطن تنقل فشلها للسعودية: هل تأخذ السعلوة العِبرة

تكشف معركة الساحل الغربي وباب المندب حجم الانتكاسة التي مُنيت بها السعودية والإمارات والولايات المتحدة، بعدما عزّزت صنعاء موقعها إقليمياً، ووضعت الرياض أمام خيارين: مواصلة الحرب أو العودة إلى «خارطة الطريق».

لا يقلّل التواضع الذي تعاملت به حركة صنعاء مع ما حدث في الساحل الغربي لليمن، وإحكام الحركة قبضتها على مضيق باب المندب، من حجم الحدث الذي تتردّد أصداؤه في أنحاء العالم، ولا سيما في العواصم المعنيّة مباشرة بالأمر، من واشنطن وتل أبيب إلى الرياض وأبو ظبي، وبقيّة عواصم الخليج. ومع أن الكتمان بدا سيّد الموقف في تلك العواصم، إلّا أنه لم يكن ممكناً إخفاء حجم الانتكاسة التي مُني بها مَن دفعوا في اتّجاه خوض هذه المعركة، وتحديداً في السعودية، التي أخطأ حكّامها، مرّة أخرى، في الانجرار خلف التحريض الأميركي على الدخول في معركة كان معروفاً سلفاً أنها خاسرة. والنتيجة المُقدَّرة مُسبقاً تلك، هي التي حملت الولايات المتحدة على إيثار الابتعاد عن الواجهة، حتى لا تُحسب عليها هزيمة أخرى في اليمن - بعد حملتَين جوّيتَين فاشلتَين خلال الأعوام الثلاثة الماضية -، على الرغم من أنها ظلّت حاضرةً في كواليس المعركة الجديدة من أوّلها إلى آخرها.

 

فآخر ما كان يحتاج إليه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل شهرَين على انتخابات التجديد النصفي لـ«الكونغرس»، خيبة أخرى مرتبطة بالحرب التي شنّها على إيران. ومع ذلك، لن يطول الوقت قبل أن يستغلّ خصومه في الولايات المتحدة، ما حدث في مضيق باب المندب، للانقضاض عليه، وتحميله مسؤولية الانخراط في حروب طويلة ومُكلِفة، بعدما كان شعاره الانتخابي الأول هو عدم التورّط في حروب كهذه. ويكاد وصف الهزيمة ينطبق بجدارة على ترامب هنا؛ إذ هو أمِل أن يعود إلى مقارعة إيران حاملاً معه مكسباً في اليمن، فكانت النتيجة أن مشكلته تضاعفت لتصبح مشكلة مضيقَيْن استراتيجيَّيْن، هما «هرمز» و«باب المندب»، بدلاً من مضيق واحد. وهكذا، فإن أسعار النفط المرتفعة وغلاء المعيشة الذي يصاحبها سيلسعان الأميركيين على أبواب الانتخابات، ويؤثّران في خياراتهم الانتخابية، وصولاً ربّما إلى خسارة «الجمهوريين» الانتخابات النصفية، وفق ما توقّعه مقدّم البرامج اليميني المعارض لحروب ترامب، تاكر كارلسون.

 

على أن الخسارة الكبرى تبقى في البيت الخليجي، وتحديداً السعودي، حيث لن يكون استدراكها سهلاً على وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، خاصة أن الخطأ نفسه عاد وتَكرّر في ظلّ موازين قوى مختلفة، هي تلك التي آلت إليها حرب عام 2015، والتي عنت تكريس حركة صنعاء لاعباً أساسياً ليس على المستويَين اليمني والإقليمي، وإنما العالمي أيضاً. كان في إمكان السعودية، بدل أن تتلقّى هذه الخسارة، أن تستجيب لمتطلّبات «خارطة الطريق» التي أعدّتها الأمم المتحدة للحلّ في اليمن، ووافقت عليها المملكة بنفسها، وإنما امتنعت عن تنفيذها بطلب أميركي. ويبدو أن الرياض انجرّت إلى الحرب طمعاً في مكسب تُحقِّق من خلاله شيئاً من التوازن مع طهران، في الحرب التي ما زالت الأولى ترفض التورّط فيها مباشرة، وإنما تتلقّى نتائجها بفعل تحالفها الأمني مع واشنطن، ووجود القواعد الأميركية على أراضيها. كما يبدو أن الاكتساح السهل للمحافظات التي كان يسيطر عليها حلفاء الإمارات في اليمن، وطرد الأخيرة من المعادلة اليمنية، في وقت سابق من هذا العام، أغريا السعودية بإمكانية توحيد الفصائل المناهضة لـ صنعاء وتحقيق انتصار على الحركة، وهو ما ثبت أنه غير واقعي.

 

لكن رغم كلّ ما جرى حتى الآن، ما زالت المملكة، نتيجة رفضها الانجرار إلى الحرب المباشرة مع إيران، واستمرار انفتاحها الدبلوماسي عليها، في موقع يتيح لها الخروج من الورطة اليمنية، ومن ثمّ الدفع في اتجاه الحلّ مع طهران؛ وهي تملك من الإمكانات ما يتيح لها التمايز عن الولايات المتحدة، من دون الخروج بالضرورة من التحالف معها. فثمّة دائماً هامش للدول ذات النفوذ والأدوار الإقليمية، تستطيع من خلاله تحقيق مصالحها الخاصة؛ والسعودية نفسها فعلت ذلك - نسبياً - إزاء الولايات المتحدة، أوّلاً برفض التطبيع العلني مع إسرائيل حتى الآن، وثانياً بممانعة المشاريع التوسّعية الإسرائيلية بالنسخة التي يعتمدها رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو. التطوّرات الأخيرة وضعت المملكة، في الواقع، أمام خيارَين: الأوّل، هو المعاندة والاستمرار في الحرب، وهذا نتيجته معروفة، وستكون تداعياته أسوأ عليها من الآن فصاعداً، بعد سيطرة صنعاء على مضيق باب المندب، والتي قد تتيح للحركة فعلياً تصفير صادرات النفط السعودية عَبره؛ والثاني، هو العودة إلى «خارطة الطريق»، وإنهاء الحرب على اليمن ورفع الحصار عنه، الأمر الذي لا يجب أن يكون ممكناً لأحد منعها من المضيّ فيه.

 

أمّا في ما يتعلّق بالإمارات، فرغم أنها نجت من تلك الهزيمة بخروجها الشكلي من اليمن، إلّا أن هذا لا يعني أن الخسارة لا تشملها. فأبو ظبي عدو لحركة صنعاء، وتتحمّل مسؤولية ما حصل في اليمن طوال ثماني سنوات من الحرب، مثلها مثل السعودية. ليس ذلك فقط، بل إن الخاسر الأكبر على المستوى اليمني، في هذه المعركة، كان حليف أبو ظبي، طارق صالح، الذي فقد خلالها معقله الأساسي، مدينة المخا الاستراتيجية القريبة من المضيق. وكانت ورثت السعودية طارق من الإمارات، إلّا أنه لا يمكن الجزم بأن ولاءه تبدّل فعلياً، ولا سيما أن التنازع بينه وبين حزب «الإصلاح»، عدوّ الإمارات في اليمن، والذي تشارك معه السيطرة على الساحل الغربي، بدا من بين أبرز أسباب التهاوي السريع للجبهات أمام تقدّم قوات صنعاء. ورغم أن الإمارات وقفت، الآن بالذات، موقف المتفرّج والشامت بالسعودية، غير أن لها حلفاء يمنيين ما زالوا موجودين على الأرض، وأبرزهم «المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي يسعى لفصل الجنوب اليمني، والذي يقبع زعيمه عيدروس الزبيدي، كما كبار قادته، في الإمارات حالياً، في انتظار اللحظة المناسبة للعودة. ولا يعني كونهم رفضوا المشاركة في القتال إلى جانب حلفاء السعودية، أنه لا يوجد حساب بينهم وبين صنعاء سيأتي الوقت لتسويته.

 

في الإجمال، جعلت معركة اليمن، الوضع الخليجي، أضعف ممّا كان قبلها، وذلك في إطار الصراع الأكبر الذي يدور بين الولايات المتحدة وإيران. وما لم تكن نتيجة هذه المعركة حافزاً لدول الخليج لممارسة مزيد من الضغط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في المنطقة، فلن تشهد أوضاعها إلّا مزيداً من التدهور. وفي الأصل، فإن التحوّل اليمني الأخير، إنّما يمثّل امتداداً للفشل في الحرب الأصلية، والتي جاءت بنتيجة عكسية على مُطلقيها، وأفضت إلى وضع لا يمكن للجزيرة العربية أن تبقى بَعده كما كانت قبله. كما أن هذا التحوّل يمثّل دليلاً إضافياً على أن الترتيبات الأميركية لأمن الخليج لم تعُد صالحة، وأن الحاجة صارت ملحّة إلى ترتيبات جديدة تحتاج إلى اتفاقات بين دول المنطقة ومع الولايات المتحدة، التي لم تعُد تستطيع الاستمرار في المعاندة، إلى ما لا نهاية.

 

آخر الاخبار