عاجل:
الغاز المنزلي… لعنة الشعب في أرض النفط
حدث وتحليل 2026-07-06 17:07 553 0

الغاز المنزلي… لعنة الشعب في أرض النفط

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

في شتى بقاع الأرض، يُفترض بالنفط أن يكون ثروةً تُبنى بها الأوطان وتتنعم بخيراتها الشعوب، أما في واقعنا، فقد استُحيلت هذه الثروة إلى عبءٍ ندفع فاتورته وحدنا، في الوقت الذي ينعم فيه جيراننا في الخليج بثمار الموارد ذاتها.

فكيف لبلدٍ يتربع على ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم أن يشهد قفزةً في أسعار الغاز المنزلي تصل إلى 40% دفعة واحدة؟

بينما يحصل المواطن في قطر والكويت على الوقود والغاز بأسعار رمزية تقارب المجانية، وتقدم الإمارات نموذجاً متقدماً من الرفاهية والدعم الاجتماعي لمواطنيها؛ نجد أنفسنا مُجبرين على دفع ضريبة القيمة المضافة على شتى تفاصيل حياتنا، ونُحاسب على كل ريال إضافي في قنينة غاز تُستخرج أصلاً من تحت أقدامنا.

إن السؤال الحقيقي هنا ليس «لماذا رُفعت الأسعار؟»، بل «لماذا نُعاقَب نحن دون غيرنا على ثروةٍ وهبها الله لأرضنا؟».

 

حين يتحول “الإصلاح” إلى عبء

يطالعنا المسؤولون بحديث مكرر عن “الإصلاح المالي” وضرورة “رفع الدعم الحكومي”؛ وهو كلام قد يبدو منمقاً في ظاهره، لكنه يتجاهل عمداً النفقات المهدرة التي تلتهم مقدرات البلاد.

إنهم يغضون الطرف عن التكلفة الباهظة للحروب والصراعات الخارجية، وعمولات صفقات السلاح المليارية، والأموال الضخمة التي تُضخ في مشاريع استعراضية كبرى مثل “نيوم”، فضلاً عن الدعم المالي الخارجي الذي يُرصد لأجندات سياسية لا تعود على المواطن بأي نفع.

في دول الخليج المجاورة، تُدار ملفات الدعم الاجتماعي بآلية تضع حماية المواطن واستقراره في المقام الأول.

أما هنا، فقد بات المواطن البسيط هو “خط الدفاع الأخير” الذي تُستنزف جيوبه كلما واجهت الميزانيات العليا عجزاً أو ضيقاً.

إن السياسات الاقتصادية الحالية جعلت من جيب المواطن مصدراً لتعويض الهدر، ليدفع الإنسان البسيط ثمن قرارات لم يشارك في صنعها.

 

الغاز ليس رفاهية… بل شريان حياة

إن الزيادة في أسعار الغاز ليست مجرد أرقام تُضاف على الفاتورة، بل هي معاناة يومية تمس أساسيات العيش، فكل ريال إضافي يُنتزع من القوة الشرائية للمواطن يعني:

  • طعاماً يُطهى بتكلفة أعلى ترهق كاهل الأسرة.
  • ماءً ساخناً قد يُستغنى عنه في برد الشتاء القارس ترشيداً للاستهلاك.
  • خبزاً وسلعاً أساسية يرتفع سعرها تلقائياً في الأسواق.

يحدث هذا التضييق في وقت تعاني فيه فئات واسعة من المجتمع من بطالة متفاقمة، وتراجع مستمر في شبكات الأمان الاجتماعي، واتساع رقعة الحاجة.

نحن ندفع ضريبة “الإصلاح” منفردين في واحدة من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية.

وهنا تبرز المفارقة؛ فبينما يروج الخطاب الرسمي لمفهوم “الرعاية والمواطنة”، نرى واقعاً يجافي هذا المفهوم، حيث تُسلب المقدرات ويُترك المواطن ليواجه مصيره الاقتصادي وحيداً.

إن الأرض أرضنا، والنفط والغاز يخرجان من باطنها، والمواطنة الحقة تقتضي شراكة عادلة في الثروة، لا التعامل مع الشعب كقناة إيرادات مستمرة لتمويل مشاريع لا تخدم يومياته.

 

الكتابة كشهادة ضد الصمت

نحن لا نكتب وفي ظننا أن هذه الكلمات ستجد آذاناً صاغية في القصور التي اعتادت إغلاق أبوابها، بل نكتب لأن الصمت في وجه هذا الخلل هو نوع من التواطؤ.

نكتب ليوثق التاريخ هذه المرحلة، ولأن الظلم إن لم يُسمَّ بمسمياته الحقيقية فإنه يترسخ كأمر واقع وقانون سائد.

لقد باتت قنينة الغاز رمزاً لنهج اقتصادي يفرط بكرامة المواطن المعيشية ومستقبل أبنائه تأميناً لخيارات سياسية واقتصادية غير مدروسة.

إنه لمن المفارقة المخزية أن يصبح العوز والفقر تحدياً يومياً في أغنى بقاع الأرض، والأشد مرارة أن يُلام الضحية على فقره بينما يمر الهدر المالي بلا حسيب أو رقيب.

إن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود السياسة والاقتصاد؛ إنه خلل بنيوي ووجع يومي يعيشه المواطن.

وتبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً التي لا يغطيها ضجيج المشاريع:

أننا شعبٌ يرى خيرات أرضه -التي تفيض ذهباً أسود- تُصرف في غير محله، بينما يرتجف أبناؤه برداً وجوعاً أمام أبسط مقومات الحياة.

فليُدرك الجميع أن الأمجاد لا تُبنى على أنقاض كرامة المواطن؛ فالدولة التي تعاقب شعبها على ثروته التي تحت أقدامه، تحكم على نفسها بالخروج من حسابات التاريخ، مهما ملكت من كنوز الأرض.

آخر الاخبار