عاجل:
“الهدم من الداخل: بـ 23 منصباً… أُسقطت أركان الدولة السعودية”
حدث وتحليل 2026-08-02 17:08 524 0

“الهدم من الداخل: بـ 23 منصباً… أُسقطت أركان الدولة السعودية”

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

في المشهد السياسي السعودي المعاصر، لم يعد الحكم مجرد نظام ملكي تقليدي، بل تحول إلى منظومة حكم “الفرد الواحد”، وفي قلب هذه المنظومة، يقبع مكتب ولي العهد، حيث تُتخذ القرارات التي تمس أمن البلاد، اقتصادها، ومستقبلها، في عملية استحواذ غير مسبوقة تضع 23 منصباً سيادياً واقتصادياً في يد شخص واحد.

لكن السؤال الحقيقي ليس عن عدد المناصب، بل عن الثمن الذي تدفعه الدولة حين تختفي المؤسسات وتُختزل في “رجل المهام الـ 23”.

 

قتل الدولة… قبل قتل السياسة

قبل عام 2015، كانت السعودية تُحكم عبر “نظام توازنات” دقيق، لم تكن السلطة موزعة لضعف في النظام، بل لضمان استقرار الدولة عبر تعدد مراكز القرار (الداخلية، الحرس الوطني، الدفاع، الخارجية).

كان الملك هو “الحكم” الذي يدير التوازنات لا “اللاعب” الذي يحتكر كل شيء.

حين بدأ محمد بن سلمان تفكيك هذا النموذج، لم يكن هدفه الإدارة الفعالة فحسب، بل “تأميم القرار”، لقد كان عليه أولاً أن يقتل السياسة التي تقوم على التشاور، ليتمكن من قتل الدولة التي تقوم على المؤسسات.

 

سقوط الأمراء… وتفكيك المؤسسات

الإطاحة بمحمد بن نايف أو متعب بن عبدالله، أو حتى أحداث “الريتز كارلتون”، لم تكن مجرد صراعات عابرة، كانت خطة استراتيجية لإعادة هندسة السلطة بإبعاد مراكز القوى التقليدية.

 تم تفريغ المؤسسات من ثقلها التاريخي، وزارة الداخلية، الحرس الوطني، النيابة العامة، والاستخبارات؛ كلها تحولت من مؤسسات ذات استقلالية نسبية إلى أذرع تنفيذية مرتبطة مباشرة بمكتب ولي العهد.

لقد أُسقطت المؤسسات لكي لا يتبقى في الدولة إلا “مركز واحد”.

 

الدولة كشركة قابضة: حين يتحول المواطن إلى عميل

التحول الأخطر لم يكن في تغيير الأشخاص، بل في تغيير “فلسفة الإدارة”.

السعودية اليوم لا تُدار كدولة، بل كشركة قابضة (Holding Company)، صندوق الاستثمارات العامة، نيوم، القدية، والبحر الأحمر… هذه الكيانات لا تعمل ضمن الهيكل الحكومي التقليدي، بل هي “شركات” يديرها ولي العهد بصفته “رئيساً تنفيذياً”، المشكلة هنا أن الدولة حين تتحول إلى شركة، يتحول المواطن إلى “عميل”، وتتحول الأهداف الوطنية إلى “أرباح ربع سنوية”، وتضيع الرقابة في دهاليز مجالس الإدارة الخاصة.

 

اختفاء الوزير… وولادة السكرتير

السؤال اليوم: هل هناك وزير سعودي يصنع سياسة مستقلة؟!

خلف الأبواب المغلقة، لا تسمع سوى صدى الصمت؛ لقد أدى تهميش الصف الثاني ومصادرة صلاحيات الوزارات لصالح مكتب ولي العهد إلى “شلل إداري”.

الوزير اليوم ليس أكثر من “سكرتير تنفيذ”، لا يجرؤ على اتخاذ قرار دون الرجوع للمركز، هذا “الخوف من القرار” يقتل الدولة أكثر من أي معارضة؛ فالمسؤول الذي يخشى المبادرة يعطل عجلة الإدارة ويترك فراغاً لا يملؤه إلا التخبط.

 

الدولة التي تخاف من موظفيها

الدولة تدار بالاعتقالات، والرقابة، وتكميم الأفواه، تتوقف “التغذية الراجعة”، في أي مؤسسة ناجحة، يكمن نجاح القرار في القدرة على مراجعته وتصحيحه.

في السعودية اليوم، غابت المبادرة، وسادت ثقافة “سمّاً وطاعة”، النتيجة؟

نظام أعمى عن أخطائه، يخاف فيه الموظف من قول الحقيقة، مما يجعل الدولة عرضة للانهيار في أي لحظة أمام أي تحدٍ جوهري.

 

23 منصباً !!

"إن قائمة المناصب الـ 23 ليست دليلاً على ’الإلهام’، بل هي لعنة بنيوية.

إن الجمع بين رئاسة الوزراء، إدارة الصناديق السيادية، والتحكم في الملفات الأمنية والدبلوماسية ليس فشلاً في إدارة الوقت، بل هو فشل في ’إدارة الدولة’.

إن هذا التمركز يعكس خللاً جذرياً يتمثل في غياب الكفاءة التخصصية المطلوبة لإدارة كيانات بهذا الحجم؛ فبدلاً من الاستعانة بأصحاب خبرة وعقول تقنية متخصصة، يُدار الملف بناءً على الرؤية الفردية التي تفتقر للمنطق العلمي أو الخبرة الأكاديمية التراكمية.

وما يزيد الطين بلة هو طبيعة النظام الدكتاتوري الذي فُرض؛ ففي بيئة الاستبداد، يُحظر على المستشارين والوزراء قول “لا” أو تقديم تصحيح علمي.

هذا يجعل من القرار السياسي والاقتصادي صدىً لرغبة الفرد، لا نتيجة لدراسة الجدوى أو التحليل الاستراتيجي.

المشاريع الكبرى تتعثر لأنها لا تُبنى على أسس اقتصادية بل على “أهواء السلطة”، والسياسة الخارجية تتأرجح لأنها تفتقر إلى “المؤسسية” التي تضبط الانفعالات الفردية وتحولها إلى مصالح وطنية مستقرة."

 

ماذا يحدث عندما تختفي الدولة؟

"إن الأزمة لا تكمن في وقوع الحاكم في الخطأ، فكل تجربة بشرية معرضة للزلل. الأزمة الحقيقية هي في ’تآكل المنظومة المؤسساتية’ التي كانت تحمي الدولة من الفرد. قديماً، لم تكن الوزارات مجرد مراكز نفوذ، بل كانت مؤسسات محكومة بقوانين، بروتوكولات صارمة، ودراسات فنية تفرض قيوداً موضوعية على أي صاحب قرار. هذه الضوابط كانت تعمل كـ “فلتر” يمنع الوزير -أياً كان- من تجاوز الحدود أو اتخاذ قرارات متخبطة لا تستند إلى أساس قانوني أو اقتصادي سليم.

في نظام المؤسسات، إذا حاول وزير تخطي الضوابط، تصبح الأنظمة واللوائح والخبراء هم الحائط الأول للصد، وليس التوازنات الشخصية. أما اليوم، فقد تم تهميش هذه البروتوكولات واستبدالها بـ ’مكتب الفرد الواحد’. وبدلاً من أن تكون القرارات نتيجة لدورة عمل مؤسساتية تخضع للتدقيق والتمحيص، أصبحت تُفرض بقرارات سيادية تتخطى كل تلك الضوابط.

وعندما تغيب “قدسية القانون” وتُعطل “البروتوكولات التخصصية” لصالح “القرار الفردي”، يتحول الخطأ البسيط في التقدير -الذي كان يمكن احتواؤه بمرور القرار عبر القنوات المؤسساتية- إلى كارثة وطنية، لأن لا أحد في الدولة اليوم يملك السلطة أو الحصانة القانونية ليقول: ’هذا القرار يخالف الضوابط’ أو ’هذا الإجراء غير مدروس مؤسساتياً’."

 

" في الختام، لا تصبح القضية المطروحة للنقاش هي تقييم كفاءة الفرد في إدارة مفاصل الدولة، بل هي ’أزمة البنية’ التي أقصت المؤسسات وعطلت وظيفتها الأصلية. لقد انتقلت المملكة من نموذج “الدولة التعددية في مراكزها” -التي كانت توازن نفوذها عبر آليات دستورية وإدارية متوارثة- إلى نموذج “الدولة القابضة”، حيث أضحى الولاء الشخصي والقرار الفردي هما المحركين الوحيدين.

إن أخطر ما يواجه أي دولة عندما تختزل في مكتب واحد، هو فقدانها لآليات التصحيح الذاتي.

فالمؤسسات والوزارات، في أصل تكوينها المؤسساتي، لم تُوجد لتكون أذرعاً تنفيذية للحاكم، بل صُممت لتكون حارسةً للمصلحة العامة، ومحكومةً ببروتوكولات وقوانين وأنظمة تهدف بمجملها إلى ضمان حقوق المواطن وتنمية الوطن على أسسٍ علمية ومستدامة.

إن هذه الضوابط هي التي تمنح القرار صفة ’الشرعية المؤسساتية’ وتجعله خادماً للصالح العام.

عندما تُعطل هذه البروتوكولات وتُهمش القوانين لصالح ’الرؤية الأحادية’، تفقد الدولة ’صمامات الأمان’ التي تحميها وتحمي مواطنيها من عواقب القرارات غير المدروسة.

وبغياب المؤسسات عن دورها كحائط صد ضد الانفراد بالسلطة، لم تعد الدولة كياناً مستقلاً له ديمومته، بل أصبحت رهينةً لمصير الفرد ومزاجية قراره.

إن الدرس التاريخي للأنظمة التي تؤمم الدولة في شخص واحد هو أنها لا تزداد استقراراً، بل تزداد هشاشة؛ لأن المؤسسات كانت دائماً الضمانة الوحيدة لترجمة مصلحة الوطن إلى واقع ملموس ومستقر.

فعندما تغيب الضوابط المؤسسية، يغيب معها المدافع الأول عن حقوق المواطن ومصلحة الوطن، ولا يتبقى للدولة سوى مصير الحاكم؛ وهو وضع يجعل من كل خطأ في التقدير تهديداً وجودياً، لأن الدولة حينها تفقد ’مناعتها المؤسساتية’ التي كان من المفترض أن تضمن بقاءها وتطورها بمعزل عن تقلبات الفرد."

آخر الاخبار