على السطح، تبدو المملكة العربية السعودية كتلة صلبة من القوة والنفوذ. يقودها ولي العهد محمد بن سلمان في سباق محموم نحو المستقبل عبر “رؤية 2030”، حيث تُبنى مدن ذكية في قلب الصحراء، وتُضخ استثمارات بمليارات الدولارات، ويجري تقديم صورة لبلاد تنفتح اجتماعياً واقتصادياً بوتيرة غير مسبوقة.
لكن خلف هذه الواجهة البراقة، تتشكل قصة مختلفة تماماً.
فالهيكل العظمي للمملكة — الذي استند لعقود طويلة إلى توازنات دقيقة بين العائلة الحاكمة والقبائل والمؤسسة الدينية — بدأ يظهر عليه صدأ عميق من الداخل.
الصراع الحقيقي لم يعد فقط مع الخصوم الإقليميين، بل مع خصوم داخليين يحيطون بالسلطة من كل اتجاه: أمراء في السجون، علماء دين في المعتقلات، مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متصاعدة، ومشاريع عملاقة تواجه واقعاً أكثر تعقيداً مما رُسم لها.
هذا التقرير لا يقدم تنظيراً سياسياً بقدر ما يحاول قراءة مجموعة من الوقائع المنشورة في تقارير إعلامية وقضائية وشهادات متعددة، والتي ترسم صورة لمملكة تمر بمرحلة تحولات عميقة وصراعات داخلية حادة.
الفصل الأول
التطهير الذي لم يتوقف
في مارس 2020، شهدت الرياض واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ العائلة المالكة السعودية، فقد اعتُقل نحو عشرين أميراً من كبار أفراد الأسرة الحاكمة، كان أبرزهم الأمير أحمد بن عبد العزيز، شقيق الملك سلمان، والأمير محمد بن نايف، ولي العهد السابق.
لم يكن محمد بن نايف مجرد أمير ضمن العائلة، فقد كان لسنوات طويلة الرجل الأقوى في المنظومة الأمنية السعودية، بصفته وزيراً للداخلية، أشرف على أجهزة الأمن والاستخبارات، وقاد الحرب ضد تنظيم القاعدة داخل المملكة، كما بنى علاقات وثيقة مع أجهزة الاستخبارات الغربية.
بل إن مسؤولين أمريكيين كبار وصفوه في أكثر من مناسبة بأنه “الأذكى والأكثر إنجازاً من جيله”.
لكن صعود محمد بن سلمان إلى ولاية العهد عام 2017 غيّر موازين القوة داخل المملكة، فخلال سنوات قليلة، جرى نقل معظم مراكز القرار السياسي والعسكري والأمني إلى دائرة ضيقة تدور حول ولي العهد.
عندما وقعت اعتقالات 2020، وُجهت للمعتقلين اتهامات رسمية بالتخطيط لانقلاب، والخيانة، وإجراء اتصالات مع قوى أجنبية لتنفيذ انقلاب.
ورأى مراقبون أن هذه الاعتقالات كانت خطوة حاسمة لتثبيت السلطة بالكامل في يد محمد بن سلمان، بحيث لم يعد هناك أي منافس محتمل داخل الأسرة يمكن أن يشكل تحدياً حقيقياً لطريقه نحو العرش.
لكن الثمن كان باهظاً، فقد أشارت تقارير إلى أن محمد بن نايف تعرض للتعذيب بعد اعتقاله، بما في ذلك تعليقه من كاحليه مقلوباً، وأن التعذيب كان شديداً لدرجة أثرت على صحته بشكل خطير.
وكانت هذه التطورات امتداداً لمسار بدأ قبل ذلك بثلاث سنوات، ففي نوفمبر 2017، اعتُقل الأمير متعب بن عبد الله، نجل الملك الراحل وقائد الحرس الوطني، وأُقيل من منصبه.
الحرس الوطني لم يكن مجرد وحدة عسكرية عادية، بل كان قوة قبلية كبيرة تشكل أحد أعمدة النظام الأمني في المملكة، لذلك اعتبر كثير من المراقبين أن استهداف قيادته كان جزءاً من عملية إعادة هندسة كاملة لمراكز القوة داخل الدولة.
الرسالة التي خرجت من هذه الأحداث كانت واضحة:
لا مكان لأي منافس داخل العائلة، مهما كانت مكانته أو قربه من العرش.
لكن هذا يطرح سؤالاً آخر: إذا كانت السلطة قد تركزت بهذا الشكل، فلماذا تحتاج المملكة إلى دعم عسكري أجنبي داخل أراضيها؟
الفصل الثاني
لماذا القوات الباكستانية؟
في أبريل 2026، أعلنت وزارة الدفاع السعودية وصول قوة عسكرية باكستانية إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية.
القوة تضم نحو 8,000 جندي، إضافة إلى سرب من الطائرات المقاتلة ومنظومات دفاع جوي متطورة وطائرات بدون طيار.
وجاء هذا الانتشار بعد توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين تنص على أن أي اعتداء على أحدهما يُعد اعتداءً على الآخر.
التفسير الرسمي كان واضحاً: تعزيز الردع العسكري في مواجهة إيران.
لكن هذا التفسير لم يمنع ظهور تساؤلات أخرى لدى بعض المحللين.
فإذا كانت السعودية تمتلك واحدة من أكبر الميزانيات العسكرية في العالم، فلماذا تحتاج إلى نشر قوة أجنبية بهذا الحجم داخل أراضيها؟
وفقاً لقراءات معارضة، فإن القوات الباكستانية تتمتع بميزة أساسية: فهي ليست جزءاً من النسيج الاجتماعي أو القبلي داخل المملكة، ولا ترتبط بأي توازنات داخلية، وهذا ما يجعلها، في نظر البعض، قوة يمكن الاعتماد عليها في سيناريوهات متعددة، سواء كانت مواجهة خارجية أو اضطرابات داخلية محتملة.
بل إن مسؤولين باكستانيين أشاروا في مناسبات مختلفة إلى أن القدرات النووية الباكستانية يمكن أن تدخل ضمن المظلة الاستراتيجية للتحالف بين البلدين.
وفي الوقت نفسه، تلعب باكستان دوراً دبلوماسياً حساساً في المنطقة، إذ تشارك في الوساطة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. هذا الدور المزدوج يعكس تعقيد التحالفات الإقليمية، لكنه يخدم هدفاً أساسياً بالنسبة للرياض: تعزيز شبكة الضمانات الأمنية في بيئة إقليمية متقلبة.
الفصل الثالث
الصراع على الدين: بين الوهابية والشيعة
منذ قيام الدولة السعودية الحديثة، كان التحالف بين آل سعود والمؤسسة الدينية الوهابية أحد أهم مصادر الشرعية السياسية.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً عميقاً في هذه العلاقة.
تفكيك التحالف التاريخي مع الوهابية:
مع صعود محمد بن سلمان، بدأت الدولة في تقليص نفوذ المؤسسة الدينية التقليدية، فقد أُعيد تعريف دور رجال الدين في المجال العام، وجرى تقليص سلطات بعض المؤسسات الدينية، بالتزامن مع إطلاق إصلاحات اجتماعية واسعة.
لكن هذه التحولات رافقتها حملة اعتقالات طالت عدداً من أبرز الدعاة والعلماء.
في عام 2017 اعتُقل عدد من الشخصيات الدينية البارزة، من بينهم:
سلمان العودة، أحد أشهر الدعاة في العالم الإسلامي، الذي اعتُقل في 2017 وتعرض لاحقاً لأزمة قلبية خلال فترة احتجازه الانفرادي، وسط مطالبات حقوقية بالإفراج عنه.
عوض القرني، الذي اعتُقل أيضاً في حملة 2017.
سفر الحوالي، الذي اعتُقل عام 2018 وهو في السادسة والسبعين من عمره.
ووفقاً لمراقبين، لم تكن هذه الاعتقالات موجهة فقط ضد التيارات المتشددة، بل شملت أيضاً شخصيات دينية اعتُبرت قريبة من منافسين سياسيين أو عبّرت عن مواقف مستقلة.
وهكذا انقسمت المؤسسة الدينية عملياً إلى ثلاث فئات: موالون للسلطة، وصامتون بدافع الخوف، ومعارضون يقبعون في السجون.
التهميش المنهجي للشيعة:
إلى جانب الصراع مع المؤسسة الدينية السنية التقليدية، يظل ملف الأقلية الشيعية أحد أكثر الملفات حساسية في المملكة.
يشكل الشيعة نحو 12% من السكان، ويتركزون بشكل رئيسي في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، وتشير تقارير حقوقية إلى وجود تمييز في مجالات متعددة، تشمل التوظيف في المؤسسات الحكومية والأمنية، والقيود المفروضة على الأنشطة الدينية والتعليمية.
كما تتهم هذه التقارير بعض الخطابات الدينية الرسمية بتغذية خطاب عدائي ضد الشيعة، حيث يُشار إليهم أحياناً بوصف “الرافضة”.
بالنسبة لمنتقدي السياسات الحكومية، فإن هذا الوضع لا يعكس مجرد خلاف ديني، بل يمثل أيضاً أداة سياسية لمنع تشكل معارضة موحدة داخل البلاد.
الفصل الرابع
الملف الأسود الذي يطارد العرش
في عام 2020، ظهرت قضية قضائية لافتة في الولايات المتحدة عندما رفع مسؤول استخبارات سعودي سابق دعوى أمام محكمة فدرالية في واشنطن.
هذا المسؤول كان يعمل مستشاراً أمنياً لولي العهد السابق محمد بن نايف، وكان جزءاً من شبكة العلاقات الأمنية بين الرياض وواشنطن في ملفات مكافحة الإرهاب.
بعد خروجه من المملكة واستقراره في كندا، رفع سعد الجبري دعوى تتضمن سلسلة من الاتهامات الخطيرة، بينها محاولة اغتياله في كندا، واحتجاز ابنيه داخل السعودية للضغط عليه، بل وادعاءات تتعلق بالتخطيط لاغتيال الملك عبد الله باستخدام خاتم مسموم.
وفي أغسطس 2020 أصدرت محكمة فدرالية في واشنطن أوامر استدعاء قضائية بحق محمد بن سلمان و13 شخصاً آخرين للرد على هذه الاتهامات.
القضية ما تزال مفتوحة، وتُعد بالنسبة لكثير من المراقبين ملفاً شديد الحساسية، نظراً لما قد يتضمنه من معلومات عن العمليات الاستخباراتية السعودية وعلاقاتها الدولية.
الفصل الخامس
الشعب يدفع الثمن
بينما تتصاعد هذه الصراعات السياسية، يعيش المواطن السعودي تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة.
بين عامي 2003 و2014 عاشت المملكة ما يسميه البعض “العقد السحري”، حيث أدت أسعار النفط المرتفعة إلى تمويل دولة رفاهية سخية تعتمد على الوظائف الحكومية والدعم المباشر للمواطنين.
لكن هذا النموذج بدأ يتغير مع تراجع أسعار النفط.
في عام 2020 أعلنت الحكومة عن حزمة تقشف بقيمة 27 مليار دولار، تضمنت رفع ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15%، وإلغاء بدل غلاء المعيشة، ووقف القروض السكنية بدون فوائد.
هذه الإجراءات تركت أثراً مباشراً على حياة المواطنين، ورغم ذلك، استمرت الحكومة في ضخ مليارات الدولارات في مشاريع ضخمة مثل نيوم ومشروع البحر الأحمر.
أما البطالة، فبينما تشير الأرقام الرسمية إلى انخفاضها إلى 6.3% في الربع الأول من عام 2025، يرى بعض الخبراء أن الصورة أكثر تعقيداً، خاصة مع اعتماد ثلثي السعوديين تقريباً على الوظائف الحكومية.
المخدرات والجريمة:
إلى جانب الضغوط الاقتصادية، يواجه المجتمع السعودي تحدياً آخر يتمثل في انتشار المخدرات.
في عام 2025 أعدمت السلطات 356 شخصاً، بينهم 243 مرتبطين بقضايا مخدرات، ومع ذلك تشير تقارير إلى أن المملكة تعد أكبر سوق استهلاكية في العالم لحبوب الكبتاجون.
ففي الأشهر الأولى من عام 2025 فقط، ضُبط أكثر من 200 مليون حبة.
وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 75% من حالات التعاطي تقع في الفئة العمرية بين 20 و40 عاماً، بينما يشكل من هم دون سن العشرين نحو 8% من المتعاطين.
الفصل السادس
الأحلام التي تتهاوى
في قلب مشروع التحول السعودي تقف مشاريع ضخمة يفترض أن تعيد تشكيل الاقتصاد الوطني.
أبرز هذه المشاريع هو نيوم، المدينة المستقبلية التي يُفترض أن تصبح مركزاً عالمياً للتكنولوجيا والسياحة.
لكن مشروع “ذا لاين”، الذي كان مخططاً أن يمتد بطول 170 كيلومتراً، تقلص في عام 2024 إلى 2.4 كيلومتر فقط، بينما أُلغي عقد حفر الأنفاق البالغ مليار دولار.
ويرى بعض المراقبين أن المشروع كان منذ البداية أقرب إلى رؤية طموحة على حدود الخيال، وأن التحديات المالية والجيوسياسية وتراجع ثقة المستثمرين قد تعرقل تنفيذه بالكامل.
الخاتمة
صرح على رمال متحركة
الصورة التي يراها العالم من الخارج هي صورة بلد يتغير بسرعة:
- انفتاح اجتماعي
- مشاريع عملاقة
- واستثمارات ضخمة
لكن خلف هذه الصورة تقف دولة تواجه صراعات متداخلة:
- صراع داخل العائلة الحاكمة
- توتر مع المؤسسة الدينية
- تحديات اقتصادية واجتماعية
- وأسئلة مفتوحة حول مستقبل المشاريع العملاقة
ربما نجح محمد بن سلمان في تركيز السلطة في يديه أكثر من أي قائد سعودي قبله، لكن هذا التركيز نفسه يضع المملكة أمام اختبار تاريخي.
فكلما ازدادت القبضة إحكاماً، ازدادت الضغوط تحت السطح.
والسؤال الذي يظل مطروحاً:
هل تستطيع المملكة إعادة صياغة توازناتها الداخلية قبل أن يتحول الصدأ المتراكم إلى تصدع حقيقي في الهيكل كله؟