وفي مقابلة حصرية مع قناة "العربية" بالنسخة الإنجليزية، الخميس، أشاد هرتسوغ باتفاقيات أبراهام والعلاقات التي تربط "إسرائيل" بكل من الإمارات والبحرين والمغرب، واعتبرها نماذج ناجحة للتعاون الإقليمي، لكنه شدد على أن "السعودية" تمثل "دولة بالغة الأهمية" و"قائدًا رئيسيًا في العالم الإسلامي"، في إشارة إلى المكانة التي تحظى بها الرياض في أي مسار تطبيعي محتمل.
وجاءت تصريحات هرتسوغ منسجمة مع المواقف التي سبق أن أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أكد في مارس/آذار الماضي، رداً على سؤال بشأن إمكانية التوصل إلى سلام دائم في الشرق الأوسط، أن ذلك "ممكن"، مضيفًا أن "السلام" بين "السعودية" و"إسرائيل" "سيكون ممكنًا بفضل الإجراءات ضد إيران"، في ربط مباشر بين مسار التطبيع والتطورات الأمنية والإقليمية.
كما توافقت هذه التصريحات مع مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعرب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن أمله في انضمام دول عربية جديدة إلى اتفاقيات أبراهام، مخصصًا "السعودية" بالذكر.
وقال ترامب، في مقابلة مع شبكة "فوكس بيزنس": "آمل أن أرى السعودية تنضم، وآمل أن أرى دولًا أخرى تنضم. أعتقد أنه عندما تنضم السعودية، سينضم الجميع".
وكانت الإمارات والبحرين قد وقعتا اتفاقيتي تطبيع مع إسرائيل في البيت الأبيض عام 2020 خلال الولاية الأولى لترامب، لتصبحا أول دولتين عربيتين تقيمان علاقات رسمية مع إسرائيل منذ ربع قرن، قبل أن يلتحق بهما كل من المغرب والسودان في إطار الاتفاقيات ذاتها.
في المقابل، كان معهد "جينسا" الأميركي قد سلّط الضوء، في تقرير له، على التحولات التي شهدها موقف “السعودية” من مسار التطبيع مع “إسرائيل” خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن الرياض انتقلت من مرحلة كانت فيها منخرطة في مفاوضات متقدمة للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام إلى تبني رؤية إقليمية مختلفة تقوم على تقليص الاعتماد على المحور الأمريكي- الإسرائيلي والسعي لبناء ترتيبات أمنية بديلة في المنطقة.
وأشار التقرير إلى أن محمد بن سلمان كان قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 منخرطاً في مفاوضات نشطة مع واشنطن حول اتفاق واسع النطاق يشمل تطبيع العلاقات مع “إسرائيل” مقابل حصول “السعودية” على مجموعة من المكاسب الاستراتيجية، من بينها اتفاقية دفاعية مع الولايات المتحدة وبرنامج نووي مدني.
وبحسب التقرير، كانت دوائر القرار الأمريكية و”الإسرائيلية” تنظر إلى انضمام “السعودية” لاتفاقيات أبراهام باعتباره مسألة وقت وشروط سياسية مناسبة أكثر من كونه خياراً محل خلاف داخل القيادة السعودية.
لكن التطورات التي أعقبت الحرب على غزة، وما رافقها من توسع للصراع في أكثر من ساحة إقليمية، دفعت الرياض – وفق التقرير – إلى إعادة تقييم المشهد الإقليمي بصورة أوسع.
ويرى الكاتب أن القيادة السعودية باتت تنظر إلى المواجهة المتصاعدة بين إيران و”إسرائيل” باعتبارها مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار في المنطقة، وأن دول الخليج أصبحت مهددة بتحمل كلفة هذا الصراع بغض النظر عن موقعها منه.
ويستعرض التقرير التغير الذي طرأ على الخطاب الرسمي السعودي بعد اندلاع الحرب على غزة، موضحاً أن الرياض انتقلت من تجميد مؤقت لمسار التطبيع إلى رفع سقف شروطه السياسية.
ومع تصاعد الغضب الشعبي العربي والإسلامي بسبب الحرب، تبنت “السعودية” مواقف أكثر انتقاداً للعمليات العسكرية “الإسرائيلية”، قبل أن تعلن أن أي علاقة دبلوماسية مستقبلية مع “إسرائيل” يجب أن ترتبط بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
إلا أن التقرير لا يقدم هذا التحول باعتباره نتاجاً لمراجعة جوهرية للموقف السعودي من القضية الفلسطينية، بل يربطه أساساً بحسابات استراتيجية وأمنية جديدة فرضتها التطورات الإقليمية.
فبحسب الكاتب، كانت القيادة السعودية منخرطة في مفاوضات متقدمة بشأن التطبيع قبل الحرب، ولم يبدأ التراجع عن هذا المسار إلا بعد أن أدت الحرب وما تبعها من أزمات إلى تغيير تقديرات الرياض للمخاطر والمكاسب المرتبطة بالانخراط في مشروع التطبيع.
وفي ختام التقرير، يقر معهد “جينسا” بأن الحرب في غزة وما تبعها من تحولات إقليمية أضعفت بصورة كبيرة فرص انضمام “السعودية” إلى اتفاقيات أبراهام في المدى المنظور.
كما يرى أن الرياض تحاول تقديم نفسها باعتبارها مركزاً لنموذج إقليمي بديل يقوم على قدر أكبر من الاستقلالية عن المحاور التقليدية.
ورغم أن التقرير ينتقد هذا التوجه ويعتبر أن مساواة “السعودية” بين إيران و”إسرائيل” كمصدرين لعدم الاستقرار الإقليمي تمثل قراءة غير دقيقة للواقع، فإنه يعترف في الوقت نفسه بأن التطورات التي شهدتها المنطقة منذ السابع من أكتوبر أدت إلى تراجع جاذبية مشروع التطبيع بالنسبة للرياض، وأسهمت في تعزيز التوجه نحو بناء ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تتجاوز الإطار الذي قامت عليه اتفاقيات أبراهام.
وتبرز أهمية التقرير في كونه صادراً عن مركز أمريكي معروف بدعمه للعلاقات الأمريكية- الإسرائيلية، ما يجعله مؤشراً على تنامي القلق داخل بعض الأوساط المؤيدة للتطبيع من تراجع احتمالات انضمام “السعودية” إلى هذا المسار، ومن سعي الرياض إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية تقود ترتيبات موازية قد تنافس النموذج الذي روّجت له واشنطن و”إسرائيل” خلال السنوات الماضية.