قبل أيام، كشفت وكالة بلومبرغ أن أرامكو بدأت فعليًا في خطوة خطيرة:
بيع أجزاء من أصول استراتيجية كانت تُعتبر “درع السعودية المالي” لعقود طويلة.
الخبر – على بساطته – يحمل معنى ثقيلًا:
الشركة التي كانت تمثل أكبر مصدر دخل للدولة بدأت تتخلص من أجزاء من جسدها للحصول على سيولة عاجلة.
لكن لماذا تحتاج أرامكو، أغنى شركة نفط في العالم، إلى بيع أصول تدرّ دخلًا ثابتًا؟
الجواب لا يحتاج عبقرية:
لأن خزائن الدولة تُستنزف في مشاريع هائلة الحجم، معظمها حُلم ورقي، صُمّم ليُبهر أكثر مما صُمّم ليعيش.
والمصيبة ليست في البيع نفسه…
بل في أن هذه الأصول التي تُباع اليوم كانت تُدر دخلًا ثابتًا ومستقرًا لأجيال قادمة.
بيعها يعني ببساطة:
نأخذ مال اليوم… ونرمي المستقبل في البحر.
هذه ليست “شراكات استثمارية”، وليست “تنويعًا للاقتصاد”، وليست “خططًا حديثة للإدارة”…
هذا تسييل اضطراري لأن المال الذي يُحرق على المشاريع الضخمة – التي لا أحد يعلم إن كانت ستكتمل أصلًا – أصبح أكبر من قدرة الدولة على تحمّله.
بلومبرغ لم تقلها بصراحة.
لكن معناها واضح:
الدولة تبيع المستقبل لتمويل الحاضر.
والمقلق أن ما يُباع ليس عقارًا مهجورًا، ولا قطعة أرض في أطراف الصحراء…
إنما أصول تشغيلية هي العمود الفقري لاقتصاد بلد كامل.
هذا ليس إصلاحًا اقتصاديًا.
هذا ليس تنويعًا.
هذا ليس بناءً للمستقبل.
هذا تفريط في المستقبل.
والسبب؟
مشاريع تُبنى لتبدو عظيمة في الصور، ولتُجمّل الخطابات، لا لتخدم حياة الناس.
مشاريع وُلدت من خيال أمير، لكنها تُموَّل من جيب شعب ومقدّرات دولة.
أرامكو اليوم لا تبيع أصولًا فقط…
أرامكو تبيع ما كان سيعود لأطفال هذا البلد بعد عشرين سنة.
تبيع دخلاً مضمونًا… لتسد فجوة صنعتها مغامرات عبثية ضخمة لا يعرف أحد أين ستنتهي.
وهذا بالضبط ما يجعل المشهد كله أشبه بانحدارٍ لا يمكن إيقافه إلى وادي عميق لانعلم متى سنرتطم بقاعه.