في الأسابيع الأخيرة، امتلأت الصحف الغربية بحديث واحد متكرر: موجة الإعدامات الضخمة التي تنفذها السعودية بحق المتهمين بجرائم المخدرات.
تقارير بريطانية وأمريكية قالت بوضوح إن الرياض تعود إلى سياسة “القبضة الحديدية”، وإن عدداً كبيراً من أحكام الإعدام نُفّذت في قضايا تتعلق بالاتجار أو التهريب، غالباً بحق عمالة مهاجرة أو فقراء لا يملكون من يدافع عنهم.
هذه الصحف نفسها – قبل سنوات – نشرت تقريراً صادماً لشبكة CNN بعنوان:
“السعودية أصبحت عاصمة المخدرات في الشرق الأوسط”.
التقرير قدّم معطيات ترجح أن المملكة، رغم العقوبات الشديدة، تحولت إلى السوق الأكبر لاستهلاك الحبوب المنشطة وعلى رأسها الكبتاغون.
السؤال الذي تجاهله المسؤولون وقتها: كيف تصبح دولة تُعدم المتورطين في المخدرات “عاصمة المخدرات” نفسها؟
الإجابة لا تأتي من الداخل السعودي، بل من الخارج… من المحاكم الغربية التي كشفت شيئاً آخر تماماً.
قضية بيروت 2015: أمير الكبتاغون
في أكبر عملية ضبط مخدرات في تاريخ مطار بيروت، أوقفت السلطات اللبنانية الأمير عبد المحسن بن وليد بن عبد العزيز ومعه خمسة سعوديين، بينما كانوا يحاولون نقل ملايين حبوب الكبتاغون (ما يقارب طنين) على متن طائرة خاصة إلى الرياض.
الخبر أشعل الصحافة العالمية؛ إذ أظهرت صور الحقائب والطائرة الخاصة أن العملية لم تكن “شحنة صغيرة” بل مشروع تهريب ضخم.
حُكم على الأمير في لبنان، لكن القصة لم تنتهِ هنا.
بعد سنوات، أشارت تقارير إعلامية إلى مغادرته البلاد بعد رفع حظر السفر عنه في ظروف غير واضحة، وسط حديث عن ضغوط سياسية وتدخلات أنهت الملف عملياً.
ومع ذلك، لم يُطرح في السعودية سؤال بسيط: لو أن رجلاً فقيراً من بنغلادش ضُبط بحبة واحدة لكان مصيره المقصلة… فماذا عن طنين كبتاغون؟
قضية الكوكايين في فرنسا: الأمير نايف بن فواز آل شعلان
هذه القصة ليست إشاعة ولا اتهاماً مجهول المصدر، بل هي ملفات وُجهت عبر سلطات قضائية أمريكية وفرنسية.
التحقيقات الدولية قالت إن الأمير نايف بن فواز آل شعلان لعب دوراً محورياً في تهريب نحو طنين من الكوكايين من كولومبيا إلى فرنسا مستخدماً طائرة مرتبطة بالعائلة الملكية.
إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية DEA صنفته كـ“منسّق رئيسي” للعملية.
واتهمت تقارير صحفية غربية السلطات السعودية بالضغط على باريس لوقف ملاحقته، عبر التلويح بصفقات تجارية بمليارات الدولارات.
وانتهت القضية فعلياً عند هذا الحد، لأن الأمير ظل خارج متناول القضاء.
هذان مثالان موثَّقان دولياً.
أما ما هو غير موثّق بشكل قضائي فحدّث ولا حرج.
كثيرة هي القصص التي رُويت وتداولتها صحف ووسائل إعلام ثم اختفت فجأة من الأرشيف الرقمي أو مُسحت من السجلات.
هل كانت حقيقية؟
لا يمكن الجزم.
لكن اختفاءها يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: مَن يملك القدرة على محو السجلات الدولية؟
العدالة السعودية: إعدام بلا محاكمة
في معظم بيانات وزارة الداخلية السعودية حول “إعدام المتاجرة بالمخدرات”، لا تُذكر الكمية المضبوطة، ولا الأدلة، ولا طريقة التهريب، ولا التفاصيل التي يمكن أن يتحقق منها الإعلام أو المنظمات الحقوقية.
فقط بيان مقتضب يقول: قبضنا عليه… أدين… ونُفّذ فيه حد القتل.
لا صور.
لا محاضر.
لا شهود.
لا شفافية.
يُعدم المتهم ويُغلق الملف.
اللافت أن الإعدامات لا تطال مواطنين من الطبقة النافذة، ولا تذكر أبداً أسماء من العائلة المالكة، رغم أن الأميرين اللذين ضُبطا خارج السعودية كانا متهمين بتهريب أطنان لا حبات.
إذا كان الإعدام هو العقوبة الشرعية الثابتة – كما تقول الرواية الرسمية – فهل يطبَّق الحكم لو تم ضبط أحد أمراء آل سعود داخل المملكة بنفس الجرائم؟
هل هناك سعودي واحد يجرؤ على الإجابة؟
لماذا كل هذه الكميات التي يحملها معهم الأمراء بالاطنان؟
إذا كانت المملكة “عاصمة المخدرات”، وإذا كانت كميات التهريب تتجاوز في بعض القضايا طناً أو طنين، فهذا يعني شيئاً واحداً: يوجد استهلاك هائل.
الدولة لا تريد الاعتراف بهذه الحقيقة، لكنها واضحة:
لا يمكن أن يستمر تدفق عشرات الملايين من الحبوب إلى سوق لا يستهلك.
ولا يمكن أن تنتشر مراكز العلاج وإحصاءات الإدمان بين الشباب دون وجود أزمة حقيقية.
السؤال الذي تتهرب منه السلطة: لماذا الشعب – وخاصة الشباب – يلجأ إلى المخدرات؟
الجواب واضح لأي سعودي داخل البلاد: ضغط نفسي مستمر، خوف دائم من الاعتقال على كلمة أو تغريدة، بطالة متفشية، غلاء طاحن، انهيار منظومة القيم، وتفكك اجتماعي تحت سيف السلطة.
هذه ليست بيئة صحية، بل بيئة مثالية للانهيار النفسي… ولانتشار المخدرات.
خاتمة
الإعلام الغربي يكتب الآن عن الإعدامات.
الإعلام الغربي كتب سابقاً عن “عاصمة المخدرات”.
والإعلام الغربي نفسه كشف تورط أمراء آل سعود في أكبر عمليتي تهريب مخدرات وصلتا إلى المحاكم الأجنبية.
نحن أمام معادلة واضحة:
الفقراء يُعدمون بلا دليل ولا محاكمة ولا دفاع.
والأمراء يعودون بطائراتهم… وتُطوى ملفاتهم.
السؤال الوحيد الذي يجب أن يُسأل اليوم:
هل المشكلة في المتعاطين الصغار… أم في الطبقة التي تملك الطائرات؟