عاجل:
نزيف السيولة في المملكة: خبر فايننشال تايمز الذي فضح الكارثة
حدث وتحليل 2025-11-21 16:11 966 0

نزيف السيولة في المملكة: خبر فايننشال تايمز الذي فضح الكارثة

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

في منتصف نوفمبر 2025، هزّت الأوساط المالية العالمية تقارير صحفية كشفت عن تحركات استراتيجية غير مسبوقة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF)، ذراع الاستثمار العالمي للمملكة. 

نشرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية تقريرًا مفصلاً يفيد بقيام الصندوق ببيع حصص كبيرة في محفظة متنوعة من الأسهم الأمريكية، شملت تسع شركات كبرى.

القائمة التي تم تسريبها وتأكيدها لاحقًا عبر إفصاحات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) تضمنت بيع أسهم في كيانات عملاقة مثل Visa، Pinterest، Marriott، PayPal، Starbucks، Salesforce، Home Depot، Prologis، وAir Products & Chemicals. 

لم تكن هذه المبيعات مجرد تعديلات روتينية؛ بل شكلت عملية "تسييل" ضخمة لأصول سائلة في الأسواق الأكثر ثقة في العالم.

وفقًا للتقديرات الأولية، أدّت هذه الحركة إلى خفض انكشاف الصندوق على الأسهم الأمريكية بنسبة واضحة ومقلقة، حيث انحدر إجمالي محفظته المسجلة في الولايات المتحدة من نحو 42 مليار دولار إلى ما يقارب 34 مليار دولار. 

الفارق، الذي يمثل حوالي 8 مليارات دولار، لم يذهب ببساطة إلى صناديق استثمارية أخرى؛ بل تم سحبه وتحويله إلى شكل من أشكال السيولة السريعة.

على السطح الظاهري، يمكن تفسير هذه الخطوة كإدارة اعتيادية للمحفظة، أو استجابة لتقلبات السوق المتوقعة في الربع الرابع من عام 2025، لكن النظرة المتعمقة للوضع الاقتصادي الداخلي في المملكة العربية السعودية، والتحديات الهائلة التي تواجهها مشاريع "رؤية 2030"، تشير إلى دافع أعمق بكثير!!.

هذا البيع هو عملية إنقاذ مالي قسري، محاولة يائسة لتغطية عجز هيكلي يتفاقم داخليًا، وتلميع الأرقام المالية أمام العالم بوقود يتم سحبه من أصول آمنة.

 

العجز المالي المسكوت عنه: جفاف سيولة المشاريع الكبرى

الأحاديث التي تدور خلف الأبواب المغلقة وفي أروقة الشركات الكبرى داخل المملكة، بعيدًا عن البيانات الرسمية الموجهة للإعلام، ترسم صورة قاتمة لواقع السيولة. 

تواجه الحكومة السعودية أزمة سيولة حادة وغير مسبوقة، وهي أزمة تضرب بشكل مباشر المشاريع الضخمة التي تمثل حجر الزاوية في أجندة "رؤية 2030".

نيوم، القدية، ومشروعات البحر الأحمر الصناعية والسياحية؛ هذه العناوين التي طُبعت على أغلفة المجلات العالمية وبُثت في مؤتمرات دولية، بدأت تتحول إلى مزارع من الهياكل الخرسانية المعطّلة. 

الإيقاع الذي اعتادت عليه المشاريع في السابق، والممول بالنفط الرخيص أو بالدين السهل، توقف. 

المال يتبخر بوتيرة أسرع بكثير من قدرة المورد النفطي على تجديده، خاصة مع تقلبات سوق الطاقة العالمي وتحديات التحول الطاقي العالمي الذي بدأ يقلل من الطلب المستقبلي.

بيع أصول سائلة وموثوقة مثل أسهم Visa أو PayPal ليس قرارًا استثماريًا تقليديًا؛ إنه فتح مسارب إسعاف نقدي طارئة، الهدف المباشر هو ضخ سيولة قصيرة الأجل في شرايين المشاريع المتعثرة لإبقائها "حية إعلاميًا" وتجنب إعلان الفشل الصريح لأجزاء كبيرة من الرؤية قبل المواعيد المحددة.

تكمن المشكلة في أن المملكة اعتمدت بشكل مفرط على التمويل عبر صندوق الاستثمارات العامة (PIF) ليكون محرك الاقتصاد الجديد، متجاهلة ضرورة بناء قاعدة إنتاجية حقيقية قادرة على توليد تدفقات نقدية ذاتية ومستدامة. 

والآن، بعد سنوات من الإنفاق الرأسمالي الهائل (CAPEX)، بدأت الخزائن تجف، والموارد المُستدامة لم تظهر بعد.

 

اقتصاد الإتاوات: حين تُدار الثروة بالخوف لا بالكفاءة

المشكلة لا تقتصر على الإنفاق الحكومي فقط، بل تتشابك مع نموذج عمل تم فرضه على القطاع الخاص المحلي. 

يتم إدارة جزء كبير من الثروة الخاصة في المملكة عبر نظام "اقتصادي-سياسي" غير معلن، يعتمد على الترهيب والولاء بدلًا من الحوكمة الرشيدة والكفاءة السوقية.

هذا النظام يتجسد في "الإتاوات السياسية" ، كبار رجال الأعمال، حتى أولئك الذين لديهم شركات لا تتبع بشكل مباشر للمؤسسات الحكومية، يجدون أنفسهم مجبرين على تحويل نسبة من أرباحهم، أو التنازل عن حصص، دون أي سند قانوني واضح، فقط لضمان "الاستقرار" والحماية من ملاحقات محتملة.

الحادثة الأبرز التي أرست هذا النموذج كانت حملة "الريتز كارلتون" في 2017. 

ما حدث آنذاك لم يكن مجرد حملة لمكافحة الفساد؛ كان إعادة هيكلة عنيفة لعلاقة القصر برأس المال الخاص، حيث تم "مصادرة" مبالغ ضخمة تحت مسمى التسوية، منذ ذلك الحين، أصبحت العلاقة عقد إذعان.

 

التأثير المالي لهذا النموذج كارثي:

تجميد الاستثمار: المستثمر الخاص يمتنع عن التوسع أو تحقيق أرباح قصوى خوفًا من أن تصبح أرباحه هدفًا جديدًا للإتاوات.

فجوة الرواتب المتراكمة: العديد من الشركات الخاصة، التي تعتمد على أوامر حكومية أو مناقصات كبيرة، تعاني من تأخر هائل في دفع مستحقاتها، بعض التقديرات تشير إلى أن الفجوة المتراكمة في دفع رواتب العمال والمقاولين الصغار والمتوسطين تجاوزت عشرات المليارات من الريالات، مما يهدد بانهيار شبكة من الشركات الداعمة.

أي محاولة للتعبير عن هذا الضرر أو الاحتجاج عليها تُقمع بصرامة فورية. 

تم اعتقال موظفين وعمال طالبوا بمرتباتهم المستحقة في عدة مدن، حيث يتم تحويل القضايا العمالية إلى قضايا أمنية. 

الأزمة المالية تُمنع من الظهور إعلاميًا باسمها الحقيقي؛ يتم تجميلها بوصفها "إعادة هيكلة مالية مؤقتة" أو "تنقية للسوق"، بينما هي في جوهرها انهيار هيكلي مالي ناتج عن نظام حكم يفضل الولاء والخوف على الشفافية والإنتاجية.

 

التبذير السياسي وصفقات الخارج: شراء الشرعية

السيولة التي يتم سحبها من المحافظ الاستثمارية الأجنبية هي نفسها التي يتم ضخها في صفقات تهدف أساسًا إلى تحقيق أهداف سياسية قصيرة المدى، وليس التنمية الاقتصادية المستدامة.

جزء كبير من الأموال التي كانت تذهب إلى تنمية القطاع الخاص أو دعم السوق المحلي، تحولت إلى "أتاوى الولاء" في الساحة الدولية، أبرز هذه النفقات كانت تلك الموجهة لإرضاء أو تأمين علاقات مع الإدارات الأجنبية المؤثرة، خاصة إدارة ترامب السابقة في الولايات المتحدة، في محاولة يائسة لشراء مظلة سياسية وحماية العرش من الانتقادات الدولية المتصاعدة.

ولي العهد، محمد بن سلمان، يواصل الترويج لرؤيته عبر مشاريع "البريق" الاستعراضي.

هذه المشاريع، التي تتطلب تمويلًا مستمرًا بمليارات الدولارات، تُعرض كدليل على "نهضة" المملكة، بينما يتم إهمال دراسات الجدوى الاقتصادية العميقة. 

أكاديميات الذكاء الاصطناعي التي لم تتجاوز مرحلة تصميم الشعارات، ومشاريع سياحية ضخمة تُبنى على أراضٍ غير صالحة للاستثمار التجاري المباشر، تلتهم الموارد.

الإعلام الرسمي، الذي يعتمد بشكل أساسي على التمويل الحكومي المباشر من نفس الصندوق الذي يبيع الأسهم، يعمل كـ آلة تلميع للواقع، يسوّق صورة المملكة كـ "أسرع اقتصاد تحولاً في العالم" و"مركز ابتكار عالمي"، بينما تعاني العملة المحلية من ضغوط متزايدة نتيجة للتضخم والاعتماد شبه الكلي على الدين المستقبلي لتمويل النفقات الحالية.

 

انقراض الطبقة الوسطى: الانهيار الصامت

التبعات الأكثر إيلامًا للسياسات المالية القائمة على الريع والتبذير تظهر في القاع الاجتماعي. 

الانهيار الاقتصادي لا يحدث بضجيج في البورصات (التي يتم السيطرة عليها محليًا)، بل يتسلل بهدوء عبر تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.

مع ارتفاع معدلات التضخم – خاصة في قطاعي العقار والخدمات الأساسية – تراجعت الطبقة الوسطى بشكل كبير، منخرطة في دوامة من الديون وانخفاض مستوى المعيشة. 

هذا يخلق هرمًا اجتماعيًا غير صحي ومُتشوه: نخبة قليلة تستحوذ على الثروة الهائلة المتبقية، وكتلة اجتماعية ضخمة بالكاد تستطيع تلبية احتياجاتها الأساسية، وتعيش في خوف دائم من السقوط.

الجمود الاجتماعي هو النتيجة المباشرة لهذا الخوف الاقتصادي وأي محاولة للتنظيم أو المطالبة بالحقوق تُواجَه بتدابير أمنية فورية. 

هذا يخلق "بلادة جماعية"، حيث يُفضل المواطن التزام الصمت على مواجهة الظلم اليومي. 

المجتمع يتحول إلى "مملكة الصمت"، حيث يتم الإدارة عبر آليات الأمن والقمع والاعتماد على السرديات الخرافية للإنجاز، بينما تتآكل الأسس الاقتصادية الحقيقية تحت وطأة الديون وسوء الإدارة.

 

إلى متى يستمر النزيف؟

الأسئلة المصيرية تلاحق القيادة: إلى متى يمكن الاستمرار في فتح مسارب الأصول السائلة (الأسهم، الودائع الأجنبية، أصول الشركات المحلية) لتمويل النفقات الجارية وتغطية العجز المتزايد في المشاريع القائمة؟

إلى متى سيستمر الإعلام السعودي وجيوش الذباب الإلكتروني في تجميل الواقع الاقتصادي المنهار، وبناء صورة استقرار مصطنعة فوق ركام العجز المتراكم والدين العام المتزايد؟

الإنهيار المالي، حتى لو تم تأجيله بالشعارات الرنانة أو ببيع الأصول الأجنبية، يبقى حتمًا قائمًا بثقل الحقيقة الاقتصادية. 

بيع حصص في شركات عالمية موثوقة، أو اقتطاع أرباح الشركات المحلية تحت ذرائع مختلفة، أو رفع الضرائب وتقليص حقوق المواطن، هي جميعها نذور النهاية لـ "مرحلة السيولة السهلة".

حين تتوقف القدرة على شراء الوهم، وحين ينضب آخر مصدر للسيولة السريعة، ستنهار الدعاية الإعلامية، ومعها النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي صاغه هذا الوهم.

المملكة التي اضطرت لبيع حصصها في وول ستريت لتسد جوع خزائنها المتآكلة، اقتربت من لحظة مواجهة حقيقية لا يمكن شراءها أو تجميلها بتقرير من فايننشال تايمز ولا ببيانات وزارة الإعلام المضللة.

 

المراجع:

Financial Times – “Saudi Arabia’s PIF sells stakes in US groups ahead of White House visit.” (نوفمبر 2025)

Bloomberg – “Saudi PIF exits nine US stocks to drag holdings to 2025 low.”

Yahoo Finance – “PIF reduces US stock holdings ahead of crown prince’s DC visit.”

WhaleWisdom – PIF 13F Filing Q3 2025. 

 

حركة الحرية والتغيير 

https://hourriya-tagheer.org

 

آخر الاخبار