التغيير-طلال حايل
عبثًا تُحاول الماكينة الإعلامية لآل سعود التغطية على جرائم أجداد محمد بن سلمان من خلال استحضار قصة تاريخيّة يزيد عمرها عن المائتين وسبعٍ وثلاثين عامًا، مُستفيدةً من الاسم الموحد لمكان وقوع الحدثين التاريخيين، ألا وهما مجزرة تنومة والواقعة في منطقة عسير التي قُتل بها أكثر من 2900 حاج يمني على أيدي جنود ومرتزقة عبد العزيز آل سعود قبل ما يقارب من ستٍ وتسعين عامًا، ومجزرة تنومة الواقعة في منطقة القصيم والتي راح ضحيتها ما يقارب من مائة وسبعون من أبناء القصيم.
وفي قراءةٍ تاريخية سريعة لكلا الحدثين يتوضح لنا أنّ المجزرة التي قام بها الأتراك العثمانيون أتت بعد حصار تنومة القصيم لأكثر من 8 أشهر قبل أن يتمكن الجنود الترك من دخول التنومة ويقتلون ما يقارب من المائة وسبعين من أبنائها، ومن المعروف أيضَا طبيعة العلاقة بين الدولة العثمانية آن ذاك والدعوة الوهابية حيث كانوا في صراعٍ مستمر وقتالٍ مستمر، وفي التنومة القصيمية تمكن العثمانيون وبعد ذلك الحصار من دخول المدينة وقتل كافة المقاتلين من أبنائها والذين كانوا قد اتبعوا الدعوة الوهابية آنذاك.
أما في مجرزة آل سعود التي ذهب ضحيتها الآلاف من الحجيج اليمنيين والتي وقعت في العام 1922م بمنطقة عسير، فحينما كانوا يحاول الحُجاج اليمنيون اجتياز وادي تنومة كانت مجموعات آل سعود المُقالة في المنطقة والتي يقودها خالد بن محمد "ابن أخ الملك عبد العزيز" تترصّدهم على رؤوس الجبال المطلة على الوادي، وكان يقود تلك المجموعة المجرم سلطان بن بجاد العتيبي، لينقضُّوا على الحُجاج بوحشية ويُعملوا فيهم القتل، وبلغ الإجرام مداه حتى أنّ البعض منهم بات يهنئ زملاءه لكثرة من قُتِل من الحجاج الأبرياء، حيث تنقل الروايات التاريخيّة أنّ من قتل حاجًّا واحدا بشّروه بقصرٍ في الجنة، ومن قتل اثنين بشَّروه بقصرين، وهكذا...
عذر أقبح من ذنب
عذرٌ أقبح من ذنب ذلك الذي ساقه عبد العزيز آل سعود للتغطية على جريمته النكراء بحق موكب الحجاج اليمنيين، فبعد أن انتشرت أخبار الجريمة المروعة في أصقاع العالم الإسلامي؛ خرج عبد العزيز بتبرير أقل ما يُقال عنه "واهي"، وهو أنّ بعض فرق الجيش من المُرابطين في المنطقة التبسوا في الحجاج بأنهم مدَدٌ عسكري للشريف حسين ملك الحجاز والذي كان في نزاعٍ كبير مع آل سعود للسيطرة على الحرمين الشريفين.
وتؤكد الوقائع التاريخية أنّ ما قاله عبد العزيز ليس أكثر من كذبٍ فج، حيث أنّ جنود عبد العزيز راقبوا الركب لمسافات طويلة من على رؤس الجبال ليتأكدوا بعدها من أنّ الحُجاج لم يكونوا يحملون السلاح، الأمر الذي ينفي ما قاله عبد العزيز من أنّ الجيش التبس عليه الأمر، فكيف يكون الركب إمدادًا عسكريًّا لشريف مكة وهو لا يحمل أيّ نوعٍ من الأسلحة؟.
وبمقارنة بسيطة بين تنومة آل سعود وتنومة الأتراك هو أنّ ضحايا الأتراك كانوا يعرفون أنّهم مُهددون وكانوا من المقاتلين وقد صمدوا أمام حصار آل عثمان أكثر من ثمانية أشهر، فيما ضحايا مجزرة آل سعود لم يكونوا أكثر من حجيجٍ بينهم عشرات العلماء والمُقرئين، لم يحمل أحدًا منهم السيف وكلُّ ذنبهم أنهم قالوا ربنا الله ثم ساروا يقصدون بيت الله الحرام الذي وقف جنود آل سعود سدًّا بينهم وبينه.
عود على بدء؛ يمكن رؤية الماكينة الإعلامية التابعة لآل سعود وهي تحاول طمس معالم جريمة عبد العزيز وجنوده، وهي التي ما تزال ماثلةً للأعين ودماء ضحاياها ما تزال رطبةً، والتركيز على تنومة أخرى أكل عليها الدهر وشرب، وذلك من خلال استغلال اسم المقتلة الجديدة لصالح القديمة وإظهارها إعلاميًّا والتركيز عليها، بهدف إشغال الرأي العام المحلي وحتى العالمي بهذه الحادثة التاريخية وطي صفحة المقتلة التي ارتكبها آل سعود بحق الحجاج اليمنيين.
أخيرًا؛ ما أشبه اليوم بالأمس، إذ يمكن تفسير العلاقات السعودية اليمنيّة من خلال وصية عبد العزيز آل سعود مؤسس مملكة آل سعود الحديثة، حيث يقول في وصيّته لأبناءه "عز السعوديين في ذل اليمن، وذلهم في عز اليمن"، ولا تزال هذه المقولة تُسيطر على أمراء آل سعود، ليُكملوا ما بدأه جدّهم من مجازر جماعيّة بحق اليمنيين، وما يدور اليوم في اليمن لا يخرج عن كونه امتدادًا لتلك السياسة التي أسسها عبد العزيز آل سعود.