يصف الكثير من المحللين السياسة الخارجية الحالية للسعودية تحت رئاسة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأنها خروج عن قواعد المملكة السعودية الكلاسيكية في السياسة الخارجية.
على مدى عقود، اتخذت السياسة الخارجية السعودية من "الصبر والبراغماتية" نهجا لها واعتمدت بشدة على استخدام الثروة الوطنية لجذب الحلفاء. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، استمرت السعودية في حربها على اليمن لسنوات عديدة ولا تزال حتى اللحظة دون وجود نهاية واضحة لآفاقها هناك، كما سببت السياسة الجديدة للسعودية شرخ بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي.
نقطة الربط بين كل هذه التحركات الجديدة هي محاولة مواجهة نفوذ إيران في المنطقة وتعزيز القوة السعودية. ولكن حتى الآن، لم يؤد أي من هذه الأساليب إلى النتائج المتوقعة للسعوديين.
بين هذه الملفات وغيرها يعد التعاطي مع ملف العراق استثناء. اذ تتبع السعودية في الوقت الحالي دبلوماسية خاصة في التعاطي مع الملف العراقي بهدف بناء علاقة جديدة(بعد أكثر من 25 عامًا من العداء) مع جميع الأفرقاء هناك. وتهدف السعودية بشكل أساسي في العراق إلى الحد من نفوذ ايران. بالمقارنة مع سوريا ولبنان، يوفر العراق فرصاً أفضل للسعوديين لكسب موطئ قدم في هذا البلد.
اللعبة القديمة: السياسة الطائفية (2003-2014)
خارج الحدود المشتركة والتي تمتد لأكثر من 800 كيلومتر، تنافست السعودية والعراق تاريخيا من أجل كسب نفوذ أكبر في المنطقة. الرياض حساسة لاحتمال وجود أي حكومة يقودها الشيعة في المنطقة، لأنه وفقًا للادعاءات السعودية، فإن هذا سيهيج سكانها الشيعة في المنطقة الشرقية ويمنحهم قوة اكبر. لم يكن بين العراق والسعودية علاقات طبيعية منذ عام 1990؛ عندما قطعت المملكة السعودية علاقاتها مع العراق بعد هجوم صدام على الكويت. تفاقم هذا الخلاف بعد عام 2003، حيث ضرب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة هيكل الحكومة العراقية وخلق فراغًا في السلطة، وعلى اثر هذا الأمر دعمت الحكومات التي يقودها السنة في مجلس التعاون الخليجي وتركيا الجماعات العراقية ذات التوجهات السنية الصريحة في معاداة الاكثرية الشيعية إلى حد كبير، بهدف الحد من نفوذ إيران (الذي يطالب به السعوديون)، وعلى هذا الأساس دفعت السعودية المال لرجال الدين والقبائل السنية مثل قبيلة شمّر.
وتوصلت مجموعة متخصصة في دراسة الشأن العراقي () إلى استنتاج مفاده أن نخبة سعودية رفيعة قد مولت المتمردين السنة وتحدث مسؤولاً عراقياً بأن السعودية قدمت ما يقرب من 25 مليون دولار لرجل دين سني بارز أنفق هذا المال على شراء الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ الروسية المضادة للطائرات.
ولمن يذكر فقد صرح نوري المالكي خلال فترة رئاسته للوزراء، مرارًا وتكرارًا أن السعودية تدعم الإرهاب والجماعات السلفية الجهادية في العراق.
كان الاعتماد على العراقيين السنة بشكل حصري صعباً على السعودية، لأسباب عديدة:
أولاً، لم يتمكن حلفاؤها السنة من أن يستلموا زمام المبادرة في السنوات الحاسمة لإعادة إعمار الدولة (2003-2005)، وقاطع معظم السعوديين حينها العملية السياسية العراقية.
ثانياً، في حين أن الشيعة والأكراد كانوا في الغالب يشكلون فيما بينهم جبهات متحدة خلال هذه الفترة، كان السنة مشتتين. حتى الآن ، لم تتمكن السعودية وحلفاؤها الخليجيين من توحيد المجتمع السني. عقد عدد من المؤتمرات من أجل توحيد السنة على مدى السنوات الماضية ولم يتمكنوا من التوصل إلى أي اتفاق، كما تم الكشف عن ضعف الرياض فيما يخص التحركات السياسة العراقية في عام 2010، عندما استثمرت الرياض بقوة في قائمة إياد علاوي العراقية ائتلافًا من الشيعة العلمانيين والمسؤولين السنة. في نهاية المطاف، وخلال المرحلة التي تلت عام 2003، لم تنجح الرياض في متابعة هدفها الرئيسي المتمثل في ابعاد الاكثرية الشيعية عن الحكم في العراق. كما أخبر دبلوماسي سعودي بارز "مجموعة الأزمات الدولية" مؤخراً ، "لقد تجاوزتنا إيران في كل مكان".
في العراق، لم تنجح السياسة السعودية في تكثيف التمويل للإسلاميين السنة والأشخاص العلمانيين والحركات السياسية.
التغييرات منذ عام 2015
لسنوات وقبل أن تتحسن العلاقة بين الرياض وبغداد في عام 2015، حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها إقناع الرياض بالتعاون مرة أخرى في بغداد. تجاهلت السعودية هذه الدعوات إلى حد كبير، حيث ادعت حينها أنها تتجنب العمل مع حكومة تدعي أنها تحظى بدعم إيراني.
حتى عام 2015، اعتمدت السعودية على شبكة فضفاضة من القنوات غير الرسمية لفهم التطورات في العراق واتخاذ الإجراءات اللازمة هناك. من بعيد، كان من الصعب للغاية على الرياض فهم التغيرات المتسارعة في العراق، أو السعي لتحقيق الهدف الرئيسي من ادعائها للحد من نفوذ إيران. في عام 2015، غيرت السعودية سياستها. أعاد العاهل السعودي السفير بعد حوالي 25 سنة من عدم وجود سفارات متبادلة بين الجانبين، وعقدت اجتماعات دبلوماسية بين الجارتين. في صيف ذلك العام ، التقى رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر مع ولي العهد محمد بن سلمان في الرياض. وانتقد الصدر السياسة السعودية الداخلية والخارجية، بما في ذلك موقفها تجاه الشيعة. حتى أنه هدد بمهاجمة الجزيرة العربية، بعد أن أهانت الرياض رجل دين شيعي في البحرين.
في نفس العام، زار وزير الخارجية السعودي عادل الجابر بغداد. وقبل شهر من ذلك زار العبادي الرياض لأول مرة. خلال هذه الفترة ، عقد وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي، وهو عضو بارز في منظمة بدر، عدة اجتماعات مع الرياض. الأدوات الاقتصادية: بناء الثقة
تتمثل إحدى طرق بناء الثقة في محاولة استخدام السعودية لمجموعة من الأدوات الاقتصادية، بما في ذلك التجارة عبر الحدود ، وتطوير البنية التحتية في المناطق العراقية المحررة حديثًا، واستثمار القطاع الخاص، وخلق فرص العمل، وإدخال منتجات عالية الجودة. الاقتصاد هو المجال الذي يمكن للمملكة السعودية أن تسعى لتحقيق هدفها المزعوم المتمثل في الحد من نفوذ إيران. في عام 2017 ، قامت إيران بتصدير سلع بقيمة 12 مليار دولار إلى العراق. مع سعي إيران لمضاعفة تجارتها الثنائية في عام 2015، تسعى السعودية إلى كبح نفوذ إيران الاقتصادي.
أعادت الرياض فتح معبر عرعر الحدودي مع العراق في أغسطس 2017 من أجل التأكيد على أولوية زيادة التقارب الاقتصادي والعلاقات التجارية بين الجارتين. بالإضافة إلى ذلك ، تشجع السعودية شركات القطاع الخاص على الدخول غلى سوق الاستثمارات في العراق.
التحديات المقبلة
بشكل عام، تتمثل التحديات التي تواجه المملكة العربية السعودية في إقامة علاقات سياسية وثيقة مع العراق فيما يلي: (1) وجهات النظر العراقية: لدى العراقيين موقف سلبي تجاه الجهود السعودية منذ عام 2003. ينتقد المسؤولون السياسيون العراقيون دور المملكة السعودية في ظهور الجماعات السلفية الجهادية مثل داعش في العراق ؛ (2) العديد من المواطنين الشيعة العراقيين قلقون من اضطهاد السكان الشيعة في السعودية. كما أن العديد من العراقيين يعتبرون سياسة الرياض الخارجية في البحرين واليمن غير مجدية، وهم يعتبرونها حربًا ضد السكان الشيعة وانتهاكًا لحقوق الإنسان ؛ (3) بالإضافة إلى ذلك، تعد العلاقات الدافئة بين المملكة السعودية وإسرائيل مشكلة يصعب على العديد من العراقيين تقبلها.