لم يتم طي ملف قتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي حتى اليوم، ولا بوادر توحي بطي ذلك الملف، فيومياً يوجد خبر يتصدر وسائل الإعلام عن تفاصيل جديدة لتلك الجريمة.
ربما ظن الذين خططوا لاغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، أن مقتله سيكون له انعكاس محدود ولأيام معدودة ثم يخفت أمره وينتهي؛ إلا أن ما لم يدر في حسبانهم قد وقع، وأصبحت الجريمة قضية رأي عام عالمي تتصاعد يومياً.
لا يختلف اثنان على أن الجريمة تخطيطاً وتنفيذاً تخللها الغباء المطلق، فالعالم كله عرف بها وبمن نفذها في وقت وجيز، لتتواتر بعد ذلك الحقائق والمعلومات فتضطر السعودية -تحت الضغط التركي والعالمي- للاعتراف ولو بصورة متدرجة، حتى أقرت بأن الجريمة قد خطط لها مسبقا.
الاعتراف السعودي بالجريمة هو اعتراف منقوص، لأن الرياض حتى الآن لا تريد الكشف عن المسؤول الذي أمر بتنفيذ هذه الجريمة، وهو ما تصرّ تركيا ودول العالم على معرفته، وإن كانت أصابع الاتهام منذ البداية تشير إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فمعظم من كانوا في فريق الاغتيال هم من طاقم حمايته أو من المقربين منه، كما أنه المتحكم الفعلي في أمور المملكة ولا يتحرك ساكن فيها إلا بأمره وبعلمه.
صحيفة نيويورك تايمز الأميركية كشفت المزيد من المعلومات المثيرة حول الفريق السعودي الذي نفذ عملية قتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول العام الماضي، إذ أكدت أن ولي عهد السعودية محمد بن سلمان شكّل قبل عام من قتل خاشقجي "حملة سرية" لإسكات المعارضين، بما يشمل الرقابة والاختطاف والاعتقال والتعذيب لمواطنين سعوديين.
"مجموعة التحرك السريع"هي الفريق الذي نفذ الجريمة، إذ أوضحت الصحيفة نفسها أن هذه المجموعة شكلت بعد موافقة محمد بن سلمان ووضعت تحت إشراف سعود القحطاني، وهو مستشار سابق برتبة وزير في الديوان الملكي تم إعفاؤه من منصبه إثر قتل خاشقجي.
وأضافت الصحيفة أن بعض المهمات السرية على الأقل قد نفذت من قبل أعضاء نفس الفريق الذي اغتال وقطع جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول في تشرين أول/ أكتوبر الماضي، ما يرجح أن قتله كان "جزءا مفضوحا" من حملة واسعة لإسكات المعارضين، بحسب مسؤولين ومقربين من ضحايا سعوديين.
ونفذ أعضاء الفريق الذي يطلق عليه مسؤولون أميركيون اسم "مجموعة التحرك السريع" على الأقل "مجموعة" من العمليات ابتداء من عام 2017، كانت تنطوي بعضها على إعادة قسرية لمواطنيين من دول عربية أخرى، و"احتجاز وإساءة معاملة السجناء في قصور تابعة لولي العهد ووالده الملك سلمان"، ومنها حملة "الريتز كارلتون".
ولم تحدد التقارير الاستخباراتية الأمريكية كيفية ضلوع الأمير محمد في عمل المجموعة، لكنها أشارت إلى أن عناصرها كانوا يعتبرون القحطاني "قناة" تقود إلى ولي العهد.
أما عن سبب الاهتمام العالمي بهذه القضية، فهناك شيئاً ما حدث جعل من قضية خاشقجي مختلفة، ما حدث للصحفي جمال لم يكن متوقعاً، وخاصة بعد الكشف عن عنصر الخيانة المروعة التي تعرض لها خاشقجي، لقد قُتل داخل قنصلية بلاده في أرض أجنبية.
كما مثل مقتل خاشقجي فرصة للضغط على السعودية ونخبها الحاكمة، ولتسليط الضوء على الجانب الوحشي والقاسي في تعامل الحكومة مع شعبها وخصومها، كما يجب أن يؤدي مقتل خاشقجي إلى إعادة تقييم المنطق الواقعي الجبان في التعاون الأمني، الذي يتذرع به حلفاء السعودية الغربيون لتبرير دعمهم للرياض.