الأوامر الملكية في السعودية تنساب على البلاد ومواطنيها كشلالات تسير في كثبان المملكة الرملية وتصنع لنفسها طرقا جديدة لا أحد يعلم إلى أين ذاهبة، نحو الشرق أم الغرب، ولا يكاد يمر شهر واحد دون أن يصدر الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود أمرا ملكيا بما يتناسب مع تطلعات نجله الأمير محمد وخططه المستقبلية، ولكن كثرة هذه الأوامر الملكية هل توحي بأن هناك ضياع في سياسة المملكة في عهد الملك سلمان أم صناعة سياسة جديدة لا تشبه سابقتها على الاطلاق واحداث تغيير جذري في عمق سياسة المملكة الكلاسيكية؟.
ريما بنت بندر
الأمر الملكي الجديد أصدره ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نيابةً عن والده الملك سلمان هكذا جاء في البيان الرسمي، ويقضي الأمر الملكي الجديد بتعيين الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، سفيرة للسعودية في واشنطن بمرتبة وزير ، خلفاً للأمير خالد بن سلمان، الذي غادر واشنطن لنحو شهرين أمضاهما في بلاده، بعد افتضاح تورط النظام السعودي في قتل الكاتب الصحافي المعارض جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ووجود شبهة تواصل بين الأمير خالد والقتلة المكلفين من ديوان وليّ العهد.
الأميرة ريما هي أول امرأة سعودية تشغل هذا المنصب، ومن يعرف والدها الامير بندر بن سلطان بن عبد العزيز "سفير المملكة بواشنطن(1983-2005)"، يعلم جيدا أحد أهم اسباب اختيارها لهذا المنصب.
ريما بنت بندر "43 عاما" عاشت في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 22 عاماً، وهي الفترة التي كان فيها والدها الامير بندر سفيرا للمملكة في واشنطن، وحصلت على البكالوريوس عام 1999 في الآثار من كلية مونت فيرون بجامعة جورج واشنطن.
عملت الأميرة ريما وكيلة للتخطيط والتطوير في الهيئة العامة للرياضة، قبل أن يدفعها النظام السعودي لتصبح وجهاً نسائياً يمثله في المجال الرياضي؛ بمنصب رئيسة للاتحاد السعودي للرياضة المجتمعية، والإشراف على وضع المناهج الرياضية للنساء في المدارس.
وعملت لفترات متقطعة في شركات أزياء عالمية، للإشراف على بعض الخطوط الخاصة بالحقائب والأزياء، حيث أسست وتدير مجموعة شركات استثمارية، كشركة ريمية المتخصصة بالإكسسوارات الفاخرة، كما أطلقت علامة "Baraboux" للحقائب الجلدية المصنوعة من جلود التماسيح والثعابين النادرة، وتقدر قيمة الحقيبة الواحدة بنحو ألفي دولار، كما أسست أول صالة ألعاب رياضية وناد صحي للنساء بالرياض.
شاركت والدتها في إدارة جمعية زهرة للتوعية من مرض سرطان الثدي، وقدمت فاعلية ضمت عشرة آلاف سيدة سعودية لرسم علامة الشريط الوردي المعروفة للتوعية من ذلك المرض، وسجلت الفاعلية ضمن موسوعة غينيس للأرقام القياسية.
كما اختيرت ريما كواحدة من أقوى مئتي سيدة عربية ضمن قائمة مجلة فوربس الشرق الأوسط عام 2014.
الأسباب التي دفعت ابن سلمان لتعيين ريما في هذا المنصب؟.
صحيح أن والد ريما الامير بندر بن سلطان كان عراب العلاقات "السعودية_الامريكية"، إلا أن ريما ليس لديها أي خبرة في المجال الدبلوماسي ولم تعمل به على الاطلاق سابقا؛ إذا ما الأسباب التي دفعت ابن سلمان لاختيارها لتولي هذا المنصب.
أولاً: السعي لانقاذ أخيه الأمير خالد بن سلمان الذي تولى منصب سفير المملكة في الولايات المتحدة منذ 22 إبريل/ نيسان 2018حتى 23 فبراير/ شباط 2019، وغادر الامير خالد الولايات المتحدة منذ شهرين على خلفية جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، اذ وجهت اتهامات للامير خالد بأنه كان يعمل على استدراج خاشقجي إلى السعودية لالقاء القبض عليه، ووجود شبهة تواصل بين الأمير خالد والقتلة المكلفين من ديوان وليّ العهد.
هذه الامور دفعت ولي العهد لابعاد اخيه عن دهاليز السياسة الامريكية، خاصة وأن أصوات كثيرة داخل المملكة تطالب بمحاسبة ابن سلمان وأخيه وكل كن له علاقة بمقتل خاشقجي.
ثانياً: يريد ابن سلمان أن يصطاد عصفورين بحجر واحدة، حيث أن والد الأميرة ريما يمتلك علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة الامريكية، ، خاصة العلاقة القوية التي ربطته بعائلة جورج بوش حتى أنه كان يلقب بـ "بندر بوش" فإن السفيرة الأولى للمملكة تصبح وفق السلطات السعودية الخيار الأنسب للمرحلة المضطربة الحالية.
الأمر الثاني أن الامير الشاب يريد أن يقول للغرب أننا نريد طي صفحة قديمة، فيما يخص معاملة النساء في المملكة، اذ يسعى بن سلمان إلى تجميل صورته وإعادة ترميمها، بعد حملة الاعتقالات التي طاولت الناشطات الحقوقيات السعوديات، وتسرب التقارير الحقوقية عن حالات تعذيب وحشية تتعرض لها الناشطات، وتعيين امرأة سعودية في منصب سفيرة يصبّ في هذا الهدف.
وكانت المنظمات الحقوقية قد أكدت، وبشكل قاطع، تورط المستشار السابق في ديوان وليّ العهد سعود القحطاني بتعذيب الناشطة النسوية لجين الهذلول، وضربها والتحرش بها والتهديد بقتلها في سجن "ذهبان" بمدينة جدة، قبل أن يجري نقلها إلى سجن "الحاير" السيئ السمعة في الرياض.
وقالت محررة الرأي في صحيفة واشنطن بوست الأميركية كارين عطية إنه كان يجب طرد السفير السعودي السابق في واشنطن خالد بن سلمان رسميا، وذلك بعد نشره معلومات خاطئة أدت لمقتل الصحفي السعودي الراحل جمال خاشقجي.
وأضافت كارين في تغريدة على موقع تويتر "يجب استجواب الأميرة ريما (بنت بندر بن سلطان) عن النساء السعوديات المسجونات".
واعتبرت أن المملكة العربية السعودية تستخدم النساء لمحاولة تبييض صورتها في الغرب "لكن جرائم المملكة ضد خاشقجي، وضد النساء الإصلاحيات المسجونات واليمن لا يمكن غسلها".