عاجل:
إمامة ابن فرحان بالجامع الأموي في دمشق..رمزية مفرغة أم إعلان وصاية؟
حدث وتحليل 2025-06-03 15:06 1139 0

إمامة ابن فرحان بالجامع الأموي في دمشق..رمزية مفرغة أم إعلان وصاية؟

إن رهانات السعودية في سوريا تتجاوز مجرد إعادة العلاقات الدبلوماسية أو تقديم المساعدات الإنسانية. فالرياض تسعى لتحقيق اختراق استراتيجي في بلد كان حتى الأمس القريب معقلا للنفوذ الإيراني وحلقة أساسية في محور المقاومة ضد المشروع الصهيوامريكي، وذلك ضمن استراتيجية أوسع لمواجهة طهران في ساحات متعددة. ولا يمكن إغفال البعد الرمزي في هذا السعي، حيث تحاول السعودية الظهور كقوة راعية للسنّة من خلال أدوات سياسية وأمنية، وأحيانا حتى دينية، لتعبئة الشارع وإعادة إنتاج سرديتها القديمة، ولكن بثوب جديد يتماشى مع وهم الزعامة العربية.

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

 

 

                بقلم عبد الرحمن الهاشمي 

 

في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة التي تعيشها المنطقة، تسعى السعودية إلى إعادة تموضعها كلاعب رئيسي في سوريا ما بعد نظام بشار الأسد، بعد أن وجدت نفسها أمام مشهد جيوسياسي جديد يتطلب مراجعة لأدواتها وتحالفاتها. الرياض، التي لطالما سوقت لنفسها باعتبارها "حامية الإسلام السني"، تنتهز اليوم فرصة تراجع النفوذ الإيراني بعد خسارة سوريا والضربات التي تعرضت لها المقاومة الإسلامية في لبنان، لترتيب حضورها بما يتماشى مع أهدافها الإقليمية، لا بما يخدم بالضرورة مصالح شعوب المنطقة.

التحرك السعودي في سوريا لا يمكن عزله عن متغيرات الساحة اللبنانية، والتي فتحت شهية الرياض للعودة إلى لبنان من البوابة السورية. فبعد أن فقدت مملكة آل سعود الكثير من أدواتها التقليدية في بيروت، تبدو اليوم مدفوعة برغبة في استغلال لحظة عكوف حزب الله على ترميم وضعه أمنيا وعسكريا لفرض معادلات جديدة، على حساب النفوذ الإيراني المتراجع، وعلى وقع تسويات إقليمية تُرسم بمعزل عن إرادة الشعوب. وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن هذه العودة السعودية إلى سوريا مع نشاط سياسي مكثف في لبنان، في محاولة لاستعادة المبادرة هناك وإعادة هندسة المشهد وفق رؤية أميركية-إسرائيلية أوسع.

ولا يمكن فهم التحركات السعودية في سوريا بمعزل عن التنافس المحتدم مع تركيا على النفوذ في المنطقة. فبعد سقوط نظام الأسد، برز سباق نفوذ خفي بين الرياض وأنقرة، حيث تسعى كل منهما لتعزيز وجودها في سوريا ما بعد الأسد. وتحاول السعودية من خلال تقاربها مع الإدارة الجديدة في دمشق موازنة النفوذ التركي المتنامي في شمال سوريا، خاصة وأن تركيا تمتلك حضورا عسكريا وسياسيا قويا هناك. وقد كشفت تقارير إعلامية عن مساعي سعودية حثيثة لمسابقة النفوذ التركي ومواجهته في إطار ما وصفته بـ"لعبة أمم جديدة في سوريا". هذا التنافس السعودي-التركي يضيف بعدا آخر للمشهد السوري المعقد، ويجعل من سوريا ساحة صراع إقليمي جديد بعد انحسار النفوذ الإيراني فيها.

إن رهانات السعودية في سوريا تتجاوز مجرد إعادة العلاقات الدبلوماسية أو تقديم المساعدات الإنسانية. فالرياض تسعى لتحقيق اختراق استراتيجي في بلد كان حتى الأمس القريب معقلا للنفوذ الإيراني وحلقة أساسية في محور المقاومة ضد المشروع الصهيوامريكي، وذلك ضمن استراتيجية أوسع لمواجهة طهران في ساحات متعددة. ولا يمكن إغفال البعد الرمزي في هذا السعي، حيث تحاول السعودية الظهور كقوة راعية للسنّة من خلال أدوات سياسية وأمنية، وأحيانا حتى دينية، لتعبئة الشارع وإعادة إنتاج سرديتها القديمة، ولكن بثوب جديد يتماشى مع وهم الزعامة العربية.

في هذا السياق، تكتسب زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى دمشق أبعاداً رمزية كبيرة، لا سيما بلقائه مع أحمد الشرع، المعروف سابقا باسم الجولاني. فالسعودية، التي كانت بالأمس القريب تقاتل إلى جانب فصائل معارضة ضد نظام الأسد، تجلس اليوم مع شخصيات كانت محسوبة على التيارات "المتطرفة"، في تحول دراماتيكي يكشف حجم البراغماتية السياسية التي تحكم قرارات الرياض. هذا اللقاء، الذي هلل له الإعلام السعودي بوصفه "خطوة في اتجاه الاستقرار"، لا يعكس إلا انتهازية مفرطة، إذ أن المملكة لم تكن يومًا معنية فعلا بمصير السوريين بقدر ما كانت منشغلة بحسابات النفوذ.

مشهد إمامة فيصل بن فرحان للمصلين في الجامع الأموي بدمشق كان تتويجا مسرحيّا لهذا التحول الرمزي، فقد تعاملت معه وسائل الإعلام السعودية كدليل على "عودة دمشق إلى الحضن العربي"، في حين أن الرسائل المضمرة كانت أوضح، من رسالة إلى إيران مفادها أن الشام خرجت من دائرة نفوذها، إلى رسالة لتركيا بأن "السعودية" ما زالت تمتلك أدوات التأثير في قلب العالم السنّي، ناهيك عن محاولة استعادة شرعية دينية فقدها النظام السعودي داخليا. الجامع الأموي لم يكن يوما مجرد مسجد، بل كان - وسيبقى- ساحة رمزية لصراع الزعامات الدينية والسياسية في الشرق.

هذا التركيز السعودي على الرمزية الدينية ليس إلا انعكاسا لأزمة شرعية داخلية عميقة، فمملكة آل سعود، التي تواجه تحديات غير مسبوقة في الداخل، تحاول تصدير صورة القوة والاستقرار من خلال استعراض نفوذها الديني والسياسي في الخارج. وهي بذلك تكرر أسلوبا قديما أثبت فشله؛ استخدام الدين كأداة لتبرير مشاريع سياسية سلطوية، سواء في سوريا أو لبنان أو حتى اليمن الجنوبي.

 

ورغم الغلاف المذهبي الذي تسعى الرياض لتغليف تحركاتها به، فإن جوهر المسألة يبقى سياسيا بحتاً ف"السعودية" لم تتردد سابقا في التحالف مع قوى شيعية في العراق متى اقتضت مصالحها ذلك، كما لم تكن تكترث بمذهب الجولاني عندما كان يقاتل النظام السوري المدعوم من إيران. الخطاب الطائفي هنا ليس سوى وسيلة تعبئة ظرفية، تُستخدم لتبرير تدخلات سياسية وأمنية لا علاقة لها بالدين أو المذهب.

وفي حين أنه من الصحيح أن المحور الذي خسر في سوريا كانت هويته تموضعه في إطار مذهبي شيعي فمشروعه كان تحرريا ومقاوما، فإن البديل السعودي لا يحمل مشروعًا إسلاميًا أصيلا، بل هو مشروع تسلطي مرتبط بترتيبات إقليمية أكبر، هدفها النهائي تطويع المنطقة لخدمة التحالف الأميركي-الإسرائيلي، والتخلص من كل القوى التي ما زالت ترفع شعار المقاومة أو الاستقلالية. و"السعودية"، التي تطبّع مع الاحتلال وتغض الطرف عن جرائم الإبادة في غزة، لا يمكن أن تُقدَّم بوصفها حامية للسنّة أو لحقوق العرب.

في المحصلة، يمكن القول إن التحركات "السعودية" الأخيرة في سوريا ولبنان ليست سوى محاولة لركوب موجة التغيير في المنطقة واستثمارها لصالح نظام استبدادي يعاني من أزمات داخلية متفاقمة. ورغم كل محاولات التجميل الإعلامي، تبقى السياسة السعودية محكومة بهاجس الحفاظ على العرش وضمان استمرارية النظام، حتى لو كان ذلك على حساب مصالح الشعوب العربية وتطلعاتها نحو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. إن مشهد إمامة ابن فرحان في الجامع الأموي، وما صاحبه من تهليل إعلامي سعودي، لا يمكنه أن يخفي حقيقة أن النظام السعودي هو جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل في أزمات المنطقة.

.

آخر الاخبار