د. سالم الزهراني
يستمر أداء النظام السعودي برفع وتيرة الشدة والقسوة في التعاطي مع الملفات الداخلية والخارجية لا سيما تلك المتعلقة بقمع الحريات وانتهاكات بل سحق حقوق الانسان، ما يثير التساؤلات في الشارع ووسائل الاعلام والقنوات السياسية والدبلوماسية المختلفة حول الخلفيات التي تدفع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى الاندفاع العنيف لمواجهة كل الجهات بهذا الشكل الفظ والمتعجرف من دون المهادنة او محاولة كسب اي فريق او طرف الى جانبه في رحلته السياسية نحو الجلوس على كرسي الملك في مملكة آل سعود لعشرات السنوات القادمة كما يحلم ويتمنى خلفا لوالده سلمان.
فابن سلمان لا يتوقف عن استفزاز وابتزاز والتعرض لمختلف الشرائح في الداخل السعودي بدءا من أبناء عمومته من صقور وحمائم العائلة الحاكمة وصولا لرجال الاعمال والدين مرورا بمخاصمة ومعاداة شرائح كبيرة من عامة الناس على أسس طائفية ومذهبية واخرى طبقية، وقد وصلت السياسة الاستفزازية والمتهورة لابن سلمان أن أوعز للقضاء المحلي بإصدار أحكام بالإعدام بحق عدد من "الدعاة" الذين طالما كانوا محسوبين على النظام وداعمين له في ظل كل ممارساته التي يرتكبها ضد الناس منذ عشرات السنين وحتى اليوم.
هل تنفذ أحكام الإعدام بحق المشايخ؟!
فما هي الاسباب التي تجعل ابن سلمان مقتنعا ان كل ما يفعله في الداخل لن يضر به وبمستقبله السياسي؟ وهل هناك جهات يستند إليها ولي العهد الحالم تجعله متحصنا الى هذه الدرجات بوجه أي ردات فعل داخلية او من قبل المؤسسة الدينية وأبناء العائلة السعودية؟ وهل سياسة الهروب الى الامام التي ينتهجها ابن سلمان تفيده ام تضره سواء في المستقبل القريب او البعيد؟ وهل زيادة نسبة القسوة والعنف الداخلي سيؤدي الى الإطاحة بمخططات ابن سلمان ام انها ستقضي على اي صوت معارض او من المحتمل ان يرفع صوته للمعارضة في المستقبل؟ وهل سيتجرأ النظام السعودي على تنفيذ احكام الإعدام بحق المشايخ سلمان العودة، عوض القرني وعلي العمري أم انه مقتنع ان لا احد لديه الجرأة في الداخل على الانتفاض والاعتراض على ذلك وان الامر سيقتصر فقط على بعض ردود الفعل الاعلامية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي؟
الأكيد ان ابن سلمان يتعاطى بفوقية منقطعة النظير مع الادوات الدينية الداخلية التي سبق ان استخدمها النظام السعودي، وهو اليوم يواصل نفس السياسة مع الكثير من هؤلاء "الدعاة" الذين لا يتجرأون على رفع الصوت بل انقلبوا على زملائهم من المشايخ الذين تم الزج بهم في المعتقلات تنفيذا لمخططات وسياسات ابن سلمان، وابن سلمان يستند بالدرجة الاولى الى الغطاء الاميركي الاسرائيلي البريطاني الذي يعتقد انه يؤمن له مقابل تنازلات كبرى يقدمها على الصعيد الاقليمي في قضايا المنطقة ولا سيما بخصوص القضية المركزية للامة الاسلامية اي القضية الفلسطينية، كما ان ابن سلمان يحاول القول لرعاته الاميركيين والصهاينة وللجميع في الداخل والخارج انه قوي ويملك من عناصر البطش الكثير، لان الادارة الاميركية والصهاينة لا يتحالفون مع الضعفاء بل يريدون الحكام الذين يملكون كل وسائل القهر ولا يقبلون برفع الصوت والتعبير عن الرأي لان ذلك سيؤدي الى انتقاد سياساتهم في المنطقة والعالم.
وبالحقيقة ان لا شيء واقعي مباشر قد يمنع ابن سلمان من التهور وتنفيذ الاعدامات بحق المشايخ، إلا انه قد يلجأ الى سياسة المكر التي يفضلها والده سلمان عبر رفع السقف ووقف تنفيذ الاعدامات لايصال الرسائل الى المحكومين بالاعدام وغيرهم، بأن الجميع يجب ان يكون تحت السقف والسياسة التي يحددهما ابن سلمان وان كل من يفكر انه قادر على تجاوز هذا الامر سيدفع الاثمان الباهظة من حياته وماله وعائلته وكل ما يرتبط به، وهي السياسة البوليسية التي تنتهجها كل الانظمة الديكتاتورية في العالم وعلى رأسها أنظمة الخليج وكل من ينضوي تحت اللواء الاميركي في المنطقة، وبعد ذلك يأتي راعي هذه الانظمة في البيت الابيض ليرفع شعارات دعم الحريات وحقوق الانسان التي لها مفهومها الخاص اميركيا واسرائيليا.
سياسة المكر السعودية.. وتهور ابن سلمان
وإن صحت التوقعات بأن النظام السعودي لن ينفذ الإعدامات بحق "الدعاة" فإنه بذلك يكون قد اتبع فعليا سياسة الرئيس الاميركي دونالد ترامب التي ينتهجها في مختلف الملفات حيث يرفع السقوف الى اعلى مستوياتها حتى يحقق غايات معينة ولارغام الاطراف الاخرى على الرضوخ، وهي سياسة أثبتت جدواها اميركيا في اكثر من ملف، فهل يكون ابن سلمان قد تعلم المكر والخبث من سيده الامريكي ام ان هناك من همس في أذنيه بضرورة اتباع سياسة العصا والجزرة لتحقيق بعض المكاسب؟
بكل الأحوال فإن كل ما سبق يؤكد ان النظام السعودي وبالتحديد محمد بن سلمان مأزوم ويعاني وهو يحاول المناورة والمراوغة وابتداع المؤامرات في محاولة منه لفرض هيبته وإخراج نفسه من عنق الزجاجة التي أدخل بها نفسه جراء السياسات الخاطئة التي انتهجها منذ وصوله الى المسك بملفات هامة داخليا وخارجيا وباتت القرارات بيده في هذه القضايا ما كبد السعودية خسائر باهظة على مختلف المستويات.