لا يكل ولا يمل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن اتباع سياسة الاقصاء والاعتقالات العشوائية، التي انتهجها منذ اللحظات الأولى له في ولاية العهد وربما قبل ذلك، ولا يزال يسير على هذا النهج الذي بدأ يعرضه للكثير من المشاكل في الداخل والخارج وأصبح يشكل تهديداً لمستقبل المملكة وتعاملاتها مع الدول الأخرى، وكذلك للاقتصاد السعودي الذي يواجه صعوبات جمة وعجز في الميزانية منذ 7 سنوات، وبدأت احتيطات المملكة تُستنزف فبعد أن كانت تصل إلى 92 مليار دولار في 2020، هناك توقعات بأن تتراجع إلى 74,6 ملياراً في العام الجديد، وذلك مرتبط بشكل مباشر بسوء ادارة اقتصاد البلد وعجز ابن سلمان عن تنفيذ مشاريعه الاقتصادية التي كانت تهدف لتنويع الاقتصاد ومصادر الدخل.
عجز ابن سلمان عن تحقيق ما يريد جعله يلقي باللوم على أصناف مختلفة من الناس، أحياناً يتجه نحو تسريح العمالة الاجنبية التي تشكل عماد الاقتصاد السعودي ويقوم بطردها من البلاد تحت حجج مختلفة ولكن حتى اللحظة لم يقدم ابن سلمان اي بديل لهذه العمالة، لكنه ربط طردها بأزمة وباء كورونا، وعندما يجد أن هذا الأمر غير مقنع يتجه نحو تفعيل "هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودي" والتي تعتقل من تريد من المواطنين والموظفين والمسؤولين بحجة الفساد، وهذا ما فعله ابن سلمان في بداية العام الميلادي الجديد، حيث أوقف عدداً من المسؤولين وطالت الحملة وزيراً مفوضاً وسفيراً سابقاً وعدداً كبيراً من الضباط وكبار المسؤولين ورجال الاعمال وذلك بمزاعمِ تهم الفساد.
المعارضة السعودية علقت على هذه الاعتقالات واعتبرتها مفبركة والهدف الحقيقي لها هو القضاء على ما تبقى من معارضي محمد بن سلمان وانصارهم، وهو بدأ هذه الحملة باعتقال امراء من العائلة الحاكمة من بينهم احمد بن عبد العزيز شقيق والده الملك، وولي العهد محمد بن نايف وشقيقه الامير نواف بن نايف بتهمة الخيانة العظمى وبحسب "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" فإن الأميرين، وفق هذا الاتهام، يواجهان عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة.
يتم تسليط الأضواء أيضاً في هذه المرحلة على قضية "سلمان العودة"، الذي يقول ابنه أنه يعاني بشدة في معتقلات النظام السعودي، ففي مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، سلط عبد الله العودة نجل سلمان العودة الضوء على معاناة والده في السجون السعودية وأعرب عن قلقه من تدهور صحة والده بشكل متسارع.
وأشار العودة إلى أن عائلته لم تستطع زيارة أبيه في السجن أو حتى الاتصال به هاتفيا، بين مايو وآخر سبتمبر الماضي، وفي المرة الوحيدة التي سمح لهم بالحديث معه، كانت من وراء حاجز زجاجي.
ولفت العودة في مقاله إلى أن أخوته أصيبوا بالدهشة عندما رأوا مدى الضعف والهزال الذي أصاب والدهم، حيث فقد نصف سمعه وبصره في السجن، ويعاني من ضعف في السمع والبصر بشكل واضح.
وفي تغريدة له على موقع تويتر قال عبدالله العودة أن والده يتعرض لموت بطيء في سجن الرياض، وناشد إدارة الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، بـ "رفع صوتها" وإنقاذ والده قبل فوات الأوان.
العودة أيضاً أشار إلى أن قضية الناشطة السعودية المعتقلة، لجين الهذلول، لفتت انتباه العالم، بينما لا يزال المئات من المعتقلين السياسيين في السعودية يقبعون في السجون، بعدما ألقي القبض عليهم، وتمت محاكمتهم بنفس طريقة محاكمة الهذلول.
قضية الهذلول في الحقيقة اكتسبت شهرة عالمية بسبب تسليط الضوء عليها من قبل المنظمات الدولية والنشطاء في مختلف أنحاء العالم، حيث ارتفعت أصوات المطالبة بالافراج عنها ما دفع السلطات السعودية إلى الاسراع في محاكمتها قبل مدة وأمرت بسجنها لخمس سنوات وثمانية أشهر بعدما أدانتها بـ"التحريض على تغيير النظام" و"خدمة أطراف خارجية"، إلا أن وقف تنفيذ الحكم "عامين و10 أشهر من العقوبة المقرّرة" يفتح الطريق أمام إطلاق سراحها، وذلك يمهد الطريق للافراج عنها خلال الاشهر المقبلة، نظراً إلى الفترة التي قضتها في السجن منذ توقيفها والفترة المقتطعة من كامل مدّة الحكم، والذي يمكن العائلة استئنافه خلال 30 يوماً.
الافراج عن الهذلول سيكون مربك بالنسبة للسلطات السعودية، فإذا أفرجت عنها ستبدأ المنظمات الدولية بالضغط على المملكة للافراج عن بقية المعتقلات والمعتقلين، وستشهد المملكة تململا هنا وهناك وهذا ما لايريده ابن سلمان، وفي حال لم تفرج المملكة عن الهذلول سيكون ايضا ابن سلمان في وضع حرج وسيزيد الضغط عليه من الغرب والمنظمات الدولية للافراج عنها.
الأخطر من هذا أن يموت سلمان العودة في السجن، لأن ذلك سيكلف ابن سلمان الكثير في الداخل والخارج، وسيتعرض ابن سلمان لضغط دولي غير مسبوق، لذلك لا نستبعد الافراج عنه في حال نجحت المصالحة الخليجية، ولكن ماذا عن بقية المعتقلين؟.