لا نعلم ما هي المعايير التي نعيشها في المملكة والتي وفقها يمكننا تقييم "الفاسد" من غيره، وهل توجيه تهمة الفساد إلى مسؤول ما مرهونة بمواقف هذا المسؤول السياسية وانتسابه الاسري أم مبنية على حقائق ووثائق وأدلة؟.
ما يجعلنا نطرح هذه التساؤلات هي الازدواجية التي نشاهدها من قبل رئيس اللجنة العليا لمكافحة الفساد في الدولة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث أن الأخير في الوقت الذي كان يحارب فيه الفساد ويعتقل كبار الأمراء والمسؤولين والتجار، قام بشراء أغلى يخت " 550 مليون دولار"، أغلى قصر "300 مليون دولار" وأغلى لوحة "450 مليون دولار".
أرقام خيالية صرفها محمد بن سلمان على ملذاته الشخصية في الوقت الذي كان يفرض هو نفسه على الشعب سياسة تقشف طالت جميع مرافق الدولة ومؤسساتها.
هذه الامور وتفاصيل أخرى غيرها تدفعنا للتفكير حول الأسباب التي دفعت ولي العهد لتشكيل لجنة مكافحة الفساد في 4 نوفمبر 2017 وإنهاء عملها في يناير 2019، وقيل حينها أن الملك سلمان وافق على طلب ولي العهد إنهاء أعمال اللجنة المشكلة بعد استكمال دراسة كافة ملفات المتهمين ومواجهتهم بما نسب إليهم، وتضمن التقرير المقدم من اللجنة للملك استدعاء 381 شخصاً، وإجراء التسوية مع 87 منهم وإحالة 56 إلى النيابة العامة لاستكمال إجراءات التحقيق إضافةً إلى 8 أشخاص لم يقبلوا بالتسوية وأُحيلوا إلى النيابة العامة. وأعلنت السعودية استعادة 400 مليار ريال لخزينتها تتمثل في عدة أصول.
اذا ابن سلمان يريد القول بأنه قام بإجراء عملية استئصال ناجحة "للفساد" في البلاد، وعلينا الآن أن ننام قريري العين لأن الأمور ستسير نحو الأفضل لا محالة ولا مكان للفساد في المملكة بعد اليوم، ولكن هل نجح حقا ولي العهد بمكافحة الفساد؟
أولاً: الأسباب التي دفعته لتشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد هي نفسها التي دفعته لإنهاء عملها، وذلك كعربون لعيون الغرب وليس للشعب السعودي، حيث أراد ابن سلمان أن يظهر للغرب مدى جديته في تغيير وجه المملكة وأنه الاصلاحي الأول الذي تنجبه المملكة والذي سيغير مجرى تاريخ البلاد ويكتب تاريخا جديدا رمزه "الاصلاح والانفتاح" ولكن الأمير الشاب "الاصلاحي" واجه انتقادات لاذعة بعد حملة الاعتقالات التي كنا على اطلاع عليها جميعا في فندق "الريتزكارلتون"؛ الانتقادات لم تكن بسبب الاعتقالات بحد ذاتها وانما بالتناقضات التي جاءت بعدها من صرف مبالغ هائلة للملذات الشخصية إلى اعتقال الناشطين في حقوق الانسان والمرأة وصولا إلى اغتيال خاشقجي الذي كان بمثابة "رصاصة الرحمة" على جميع ادعاءات ابن سلمان بتغيير صورة المملكة نحو الأفضل، وجعلت الغرب يشكك به والبعض الآخر يطالب بإقصاءه وهكذا جرت الامور إلى أن حاول جاهدا الخروج من هذه المعمعة ولكن دون جدوى، وكما بدأ قراراته عند استلام منصب ولي العهد من داخل البلاد يحاول الآن اعادة نفس اللعبة واخبار الغرب من جديد بانه نجح في محاربة الفساد لذلك قرر انهاء عمل اللجنة، ولا نعلم ان كان سيصدقه الغرب هذه المرة.
ثانياً: جرت حملة الاعتقالات للمتهمين بالفساد في ظروف غامضة، ربطها البعض بخشية ابن سلمان حينها من قيام الذين اعتقلهم بانقلاب عليه واجبارهم في الوقت نفسه على اعلان الطاعة وقبول التسوية التي يفرضها عليهم، وهنا نتذكر وصف صحيفة ذي إيكونوميست لحملة الاعتقالات، حيث قالت بأن هذه الحملة تسببت في العزل التام لذرية الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز آل سعود من الساحة السياسية وبإتمامها أصبح ولي العهد السعودي يسيطر سيطرة تامة على الأذرع الأمنية الثلاثة للدولة السعودية.
الأمر الآخر أن لأ احد يعرف تفاصيل التهم الموجهة إلى المعتقلين وكم هي صحيحة وذلك لافتقار التحقيق للإجراءات القانونية السليمة وللشفافية، هناك تفاصيل كثيرة مبهمة ولا أحد يعرف عنها شيء وهذا ما يجعل الجميع يشكك بدوافع هذه الاعتقالات وتشكيل اللجنة من الأساس.
ثالثاً: انهاء عمل اللجنة جاء في ظروف يعاني منها ابن سلمان من شبه عزلة دوليه في السياسة والاقتصاد، ولذلك كان لابد من القيام بفعل جديد يعيد المياه إلى مجاريها ويطمئن المستثمرين الذي فروا هاربين من المملكة خوفا من الاعتقال أو مصادرة أموالهم، ولكي يحافظ ابن سلمان على مصداقيته في الداخل اسس مكتبا جديدا لمراقبة الإنفاق الحكومي، قال إنه سيساهم في مواصلة مكافحة الفساد.
ونقلت وكالة "واس"، عن النائب العام سعود المعجب الذي دشن هذا المكتب، أن مكتب التقارير المالية سيكون تابعا لديوان المراقبة العام المعني بكشف المخالفات والتجاوزات المالية، واعترف النائب العام السعودي "سعود بن عبد الله المعجب"، بتفشي الفساد في كافة قطاعات المملكة وقال إن الفساد في المملكة لا يقتصر على جهة دون أخرى أو على قطاع حكومي دون غيره، يأتى ذلك فيما كشف الزعيم الماليزي أنور إبراهيم عن مفاجأة بخصوص أموال السعودية الفاسدة.