بقلم: فيصل التويجري..
هي ليست المرة الأولى التي تعبر فيها حكومة عبد ربه منصور هادي المنتهية ولايته عن انتقادها لممارسات القوات الموالية للإمارات في الجنوب اليمني. ففي حين كانت الأنظار تتجه الى كيفية انقاذ تفاق الرياض والعمل على تطبيق ما فيه من التزامات معطلة، قام "الحزام الأمني" المدعوم اماراتياً قوة تابعة لمليشيات السعودية في الجنوب اليمني من العبور الى عاصمة الجنوب عدن. وفي هذا السياق برر المجلس الانتقالي الجنوبي ذلك باتهام حكومة هادي بالدفع بعناصر إرهابية الى دخول عدن في حين اعتبرتها حكومة هادي نية مبيته لإفشال اتفاق الرياض ومحاولة لتفجير الوضع في عدن.
احتفلت أبو ظبي منذ يومين بعودة ما سمتهم "البواسل" الى ارض الوطن، فلقد انجزوا واجب انقاذ اليمن على ما تقول الرواية الرسمية. غير أن عودة هؤلاء لا تعني أن ربما كل القوات الإماراتية عادت، إضافة الى أن العودة المفترضة لا تعني غياب النفوذ. وعلى سبيل المثال نذكر نقطة العلم شرقي مدينة عدن حيث منعت قوات تابعة لحكومة هادي والمدعومة من السعودية من دخول المدينة وتردها على اعقابها قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي لكنها تسمح في الوقت نفسه لمركبات وآليات سعودية كانت مرافقة لها بالدخول. وذلك يؤكد وفق يمنيين ما زلت تملك القدرة على التعطيل إذا ارادت ورغبت باليمن بحكم نفوذها وبحسب هؤلاء فان هناك أدوات لأبو ظبي تنفذ ما يملى عليها.
ومن اللافت أيضاً أن يكون ذلك مناقضاً لاتفاقات شاركت فيها الامارات برعايتها. فمنع دخول قوات هادي الى عاصمة الجنوبية يناقض مقررات الرياض نفسه الذي رعته السعودية في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والذي يقض بانسحاب ميليشيات هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي الى مواقعها قبل أغسطس أي قبل الانقلاب الذي نفذته الأخيرة والذي سيطرت من خلاله على المراكز الحكومية والرئاسية في المدينة كما وبسطت سيطرتها على مناطق واسعة في الجنوب اليمني.
وفي هذه الأيام، تأتي مفردات ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، لتفسر هذا المأل عندما يقول ان القوات الإماراتية باقية سنداً في صيانة أمن المنطقة واستقرارها. وإذا كان ذلك شأن الامارات والقوات المدعومة منها فماذا عن الرياض ولماذا لم تتدخل قواتها الموجودة في عدن لإنفاذ الاتفاق والسماح لقوات هادي المدعومة منها بالدخول من نقطة العلم؟ ويضاف الى ذلك سؤال آخر فلماذا دخلت هي وأمرت القوات الباقية بالعودة الى أدراجها؟ وهو ما يطرح تساؤلات عن جدية تحالف الرياض أبو ظبي في انفاذ اتفاق رعته الدولتان الذي كان يأمل من خلاله عبد ربه منصور هادي بإعادة "الشرعية" لتزاول عملها داخل عدن لا في مكتبه في الرياض.
هذا الموضوع شكل مادة دسمة لدى بعض النخب اليمنية المحسوبة على السعودية، حيث طالبت الرياض بما سبق أن رعته ووقعت عليه والتزمت بتنفيذه، لكنها عند أول اختبار تغمض عينيها وتترك أدوات أبو ظبي لتنقض على الاتفاق امام عيون الجنود السعوديين لا سواهم. وهي مفارقة مؤسفة وفق رأي البعض تجعل الرياض تبدو ملحقاً لأبو ظبي لسياساتها. كما أن الأهم بالنسبة لهؤلاء أنها تغلب حظوظ المجلس الانتقالي الجنوبي على "الشرعية".
في الختام يمكننا القول بصراحة ان اليمن يقوم على مفارقتين، الأولى هيمنة السعودية على قرار الشرعية، والثانية سيطرة أبو ظبي على قرار الرياض. كما أن القرار السعودي الإستراتيجي مخترق من طرف الإمارات، وهو ما يجعلها طرفا غير فاعل في اليمن رغم كونها أكبر قوة مشاركة في الحرب على الأرض، وأن تداعيات الأزمة ستعود عليها بالأساس كصاحبة أطول حدود مع الجار اليمني. ومن هنا نستبعد وصول اتفاق الرياض إلى أرض الواقع ونجاح تطبيقه لأن الدولتان مستمرتان في المماطلة، ولا يملكان أي رغبة أو إرادة في تطبيق بنود الاتفاق. وبالتالي ان مفتاح انفراج الأزمة في اليمن يعود إلى اليمنيين وحدهم، وأنه على جميع الفرقاء من "الشرعية" والحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي الجلوس على طاولة حوار وطنية بعيدا عن أي أجندات سعودية وإماراتية تريد تفتيت اليمن وتقسيمه وجعل سكانه خداماً لأجنداتهم ومصالحهم المشبوهة.