التغيير
التبعية أو ربما الاحتلال هو التعبير الأدق للعلاقة التي باتت تربط عددًا من دول المنطقة مع أمريكا؛ لتبدو تلك الدول لا حول لها ولا قوة أمام رغبة السيد الأمريكي الذي يُنفذ ما يراه مناسبًا لهم دون أن يُرهق نفسه حتى بإبلاغ تلك الدول عن رغبته بإحداث أيِّ تغييرٍ في تشكيلاتها العسكرية أو حتى الدفاعية.
إذاً فأمريكا لا تخجل أبدًا من هذا الأمر؛ لا بل إنها تُصرُّ على فعله لما فيه من استصغارٍ لبقيّة الدول، وهو الأمر الذي بدى واضحًا عندما قررت سحب أنظمة الدفاع الصاروخي المُسماة "باتريوت"، ليعلم ساسة تلك الدول بالخبر من وسائل الإعلام الأمريكية، وكأنّ الأمر لا يعنيهم، أو لم يجرِ في دولهم التي بات يسرح فيها الجنود الأمريكيون كيفما شاؤوا دونما حسيبٍ أو رقيب.
وبعد أن سرت أخبار سحب المنظومة الصاروخية الأمريكية من الخدمة في عدد من دول الخليج؛ خرج عددٌ من قادة الأركان والمسؤولون السياسيون الخليجيون ليبعوا الوهم لمواطنيهم مؤكدين أنّ سحب هذه المنظومة هو عملٌ روتيني يهدف إلى تطويرها ومن ثمّ إعادتها للخدمة بعد ذلك.
تصريحات المسؤولين الخليجيين ولا سيما الكويتيين منهم لم تُعجب المسؤولين الأمريكيين، ليخرج بعدها مسؤولون عسكريون تابعون للبنتاغون الأمريكي ليؤكدوا أنّ سحب هذه الصواريخ من الخدمة سيؤدي إلى تقليص الدفاعات التي يعتمد عليها "حلفاء" الولايات المتحدة في المنطقة، مؤكدين بالوقت ذاته أنّ عدم وجود نية لدى المسؤولين في وزارة الدفاع استبدال أي منها، حيث من المقرر أن يتم إعادتها إلى الولايات المتحدة، وهو عكس ما صرّح به المسؤولون الخليجيون.
أكثر من ذلك؛ فبعد سحب تلك المنظومة أكد المسؤولون الأمريكيون أنّ سحب هذه المنظومة من العمل يأتي في سياق تحوّل الولايات المتحدة تركيزها نحو مواجهة روسيا والصين في عصر المنافسة القوية على السلطة، وأنّ منطقة الخليج لم تعد المكان الأمثل لحماية المصالح الأمريكية.
التصريحات الأمريكية هذه أصابت قادة دول الخليج بالهلع؛ فأمريكا التي كانت الحامي والضامن الأكبر لبقائهم على عروشهم بدأت تسحب البساط من تحتهم رويدًا رويدًا، وكأنّ أمر بقائهم على عروشهم لم يعد يعنيها، إذ تُشير معلومات مُسربة من داخل أروقة الحكم في البحرين أنّ الملك البحريني سيُحاول لقاء الرئيس الأمريكي ترامب وحثّه على إبقاء تلك المنظومات في بلاده متذرعًا بالتهديد الإيراني بحسب زعمه، متناسيًا أنّ أمر البحرين والخليج بشكلٍ عام لا يأتي ضمن أولويات الإدارة الأمريكية، فالوقوف بوجه المد الصيني والروسي هو الأولوية، ومن بعده تأتي دول الخليج.
وعلى الرغم من أنّ أمريكا ما تزال تمتلك بعض أنظمة صواريخ الباتريوت في الشرق الأوسط؛ لكن سحب أربعة أنظمة وصفه مراقبون بأنّه "سحب كبير" من قدراتها الدفاعية المتبقية في المنطقة، ويؤكد مراقبون أن الجيش الأمريكي الذي يمتلك قاعدة بحرية كبيرة في البحرين سيتم تصفيتها أولًا بأول، في حين تدور إشاعات كثيرة عن نيّة البنتاغون سحب الأسطول الخامس الموجود في منطقة الشرق الأوسط، ناهيك عن الرغبة الأمريكية التي تُعدُّ تنفيذًا لوعود ترامب الإنتخابية بإعادة جنوده إلى أمريكا، والتي سيتم بموجبها سحب الآلاف من القوات الامريكية التي لا تزال متمركزة في الكويت، كذلك القوات الأمريكية المتمركزة في الأردن.
وعلى الرغم من التهديدات الأمريكية المتواصلة والتحذير من الخطر الإيراني؛ إلّا أنّ واقع الحال يؤكد غير ذلك؛ فلو كانت أمريكا تؤمن حقًّا أن إيران تُهدد جيرانها، ؛ فإنها لن تقوم بسحب تلك الأنظمة من الصواريخ، أمريكا تعلم جيدًا ، أنّ كلّ ما يُشاع عن ذلك ما هو إلا بهدف "حلب البقرة" الخليجية أكثر وأكثر بحجّة التهديد الإيراني.
والواضح أنّ سحب أمريكا لمنظوماتها الصاروخية يدلُّ وبما لا يدع مجالًا للشك أنّها تستعمر دول الخليج ليس سياسيًا أو اقتصاديًا وحسب؛ بل وصل أمر الغطرسة الأمريكية أن تعلن وعلى الملأ أنها تحتل تلك الدول عسكريًا، وأنّ قواعدها العسكرية هناك هي من تُسيّر أمور الحكم في تلك الدول، وأنّ جنرالاتها هناك هم من يحكمون من خلف الستار، ليبدو واضحًا أيضاً أنّ ملوك وأمراء تلك الدول ليس لهم سلطانًا إلا على الضعفاء من أبناء الخليج، في حين أن المستعمر الأمريكي يسرح ويمرح في جزيرة العرب دونما حسيبٍ أو رقيب.