عاجل:
استقرار المشاعر... أم هندسة السكون السياسي؟
حدث وتحليل 2025-05-31 15:05 1143 0

استقرار المشاعر... أم هندسة السكون السياسي؟

ويأتي ذلك في سياق متصل بإعادة تدوير التبعية عبر بوابة "الصفقات الاستراتيجية"، كما ظهر في الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي  دونالد ترامب، فلم تكن الزيارة إلا محطة جديدة ضمن مسار طويل من الابتزاز السياسي، يُدفع فيه المال العام لشعب الجزيرة العربية في مقابل ضمانات سياسية أمريكية لبقاء النظام وتوفير الحماية له. إن المليارات التي دفعها ولي العهد خلال زيارة ترامب لا يمكن فصلها عن بنية التحالف غير المتكافئ بين الرياض وواشنطن، حيث تتحول (السعودية) إلى دولة ملحقة وظيفيا، لا تملك هامشا مستقلا في القرار الاستراتيجي، بل يتكرس تنازلها عن سيادتها الاقتصادية تحت عنوان "الاستثمار".

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

 

 

 

 

نشرت صحيفة «الوطن» السعودية في ٢٩ أيار ٢٠٢٥ مقتطفات من تقرير «جالوب للمشاعر العالمية 2024»، مشيرة إلى أن (السعودية) تحتل مرتبة متقدمة بين الدول الأكثر استقرارا على مستوى المؤشرات العاطفية. التقرير أُبرز في الصحافة المحلية بوصفه دليلا على "رضا شعبي"، لكن هذا التوظيف الإعلامي لمؤشرات نفسية مجتزأة يتجاهل السياق السياسي والإجتماعي الذي يُفرغ أي تعبير عن الاستقرار من مضمونه الحقيقي، ليصبح غطاءً لأوسع عملية مصادرة للإرادة العامة بمملكة آل سعود في التاريخ المعاصر.

إنّ الحديث عن "استقرار المشاعر" في مجتمع محكوم بقبضة أمنية صارمة، تغيب فيه آليات التعبير السياسي، وتُصنّف فيه المعارضة بوصفها تهديدا أمنيا، ليس سوى إعادة إنتاج للخطاب السلطوي الذي يخلط بين السكون السياسي والاستقرار الاجتماعي. فهل يمكن قياس الرضا الجمعي في ظل غياب أدوات القياس الحر؟ وأي دلالة يمكن أن تُستخلص من مشاعر شعب لا يُسمح له بالتعبير عنها إلا ضمن الحدود التي يرسمها الإعلام الرسمي، أو تُصاغ عبر استبيانات لا تنفصل عن مناخ الخوف والعقوبة؟

إن ما يُقدَّم باعتباره "سكينة وطنية" لا يمكن فصله عن عقود من القمع السياسي، وتحييد المجتمع المدني، وإخضاع الإعلام، وتفكيك الفضاء العام. فالمواطن في هذه (السعودية) ليس فاعلا سياسيا، بل مستهلكا لقرارات جاهزة، لا يملك أدوات ولا آليات مساءلتها ولا التفاعل معها إلا ضمن ما تسمح به السلطة وفق حساباتها. وهذا ما يجعل من نتائج مثل تلك التي قدمها تقرير جالوب انعكاسا لصمت قسري أكثر من كونه حالة رضا ناضجة.

هذا الواقع يتجلى بأوضح صوره في موقف النظام من العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة، فبينما تتوالى المجازر بحق المدنيين، وتُرتكب انتهاكات ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، يكتفي النظام السعودي بإصدار بيانات دبلوماسية باهتة، خالية من أي مضمون سياسي فاعل أو موقف أخلاقي ذي قيمة، وليس ذلك إلاّ حلقة من حلقات التواطؤ التاريخي مع المشروع الصهيوني، تتجلى في صمتٍ رسمي مخزٍ، وتطبيعٍ فعلي غير معلن، ومسار سياسي يضع المصالح مع واشنطن وتل أبيب فوق دماء الفلسطينيين. إن شراكة حكام السعودية في تصفية القضية الفلسطينية ليست فقط خيانة دينية وسياسية، بل آلية إضافية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي لشعب الجزيرة، يُراد بها هندسة شعور العجز والتطبيع مع الظلم. ومن هنا، يصبح هذا التخاذل الخارجي انعكاسا مباشرا لأولويات داخلية جديدة، يتم فيها نزع السياسة من المجال العام، وتفريغ مفردات السيادة والكرامة والأمة الإسلامية الواحدة من محتواها، بحيث تتمحض السياسة الخارجية أكثر فأكثر في حركية المشروع الأمريكي وتتماهى مع  مصالح الاحتلال الإسرائيلي، في تغاير جذري مع إرادة شعب أو موقف أمة.

ويأتي ذلك في سياق متصل بإعادة تدوير التبعية عبر بوابة "الصفقات الاستراتيجية"، كما ظهر في الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي  دونالد ترامب، فلم تكن الزيارة إلا محطة جديدة ضمن مسار طويل من الابتزاز السياسي، يُدفع فيه المال العام لشعب الجزيرة العربية في مقابل ضمانات سياسية أمريكية لبقاء النظام وتوفير الحماية له. إن المليارات التي دفعها ولي العهد خلال زيارة ترامب لا يمكن فصلها عن بنية التحالف غير المتكافئ بين الرياض وواشنطن، حيث تتحول (السعودية) إلى دولة ملحقة وظيفيا، لا تملك هامشا مستقلا في القرار الاستراتيجي، بل يتكرس تنازلها عن سيادتها الاقتصادية تحت عنوان "الاستثمار".

في مقابل هذه الهشاشة السياسية، يتكثف الاستثمار في صناعة ترفيهية مبتذلة تقودها ما تسمى بالهيئة العامة للترفيه، التي تحوّلت إلى أداة هندسة اجتماعية، يُراد من خلالها تحويل "المواطن" إلى مستهلك للمتعة السوقية، لا فاعلا في التنمية وفي السياسة. تُنفق مليارات الريالات على الحفلات، والمهرجانات، واستيراد الراقصات والمسوخ من فضاءات "فنية" ساقطة لا تُنتج وعيا ولا تُعزز قيما. كل هذا يجري في ظل تراجع مقلق في الإنفاق على التعليم، وتجميد البعثات العلمية، وتدهور القطاع الصحي. وهنا، لا يتعلق الأمر برغبة في "إسعاد الناس"، بل بتكتيك سياسي يهدف إلى تغطية عجز الدولة؛ مع كل الثورة المالية والمكانة الرمزية؛ عن تقديم نموذج اقتصادي وتنموي مستدام، عبر إغراق المجتمع في خيارات ترفيهية تجرد "المواطن" من حسّه السياسي النقدي وتشغله عن حقه في المواطنة الكاملة.

والسؤال الجوهري: أين تذهب فوائض النفط، التي تضاعفت مع ارتفاع الأسعار؟ الجواب يتضح في غياب أي تحوّل تنموي نوعي في الداخل، وفي تزايد اعتماد النظام على صندوق الاستثمارات العامة كأداة فوق وطنية، لا تخضع لأي سلطة رقابية أو مساءلة شعبية، إذ يجري توجيه هذه الموارد كرشوة للامريكي ونحو مشاريع رياضية استعراضية وسياسة "ترفيهية" وعلى مؤامرات خارجية تستهدف القوى الحية في الأمة، دون أن ينعكس ذلك طبعا على معدلات البطالة، أو تحسين الخدمات

الأساسية، أولإقرار حق المشاركة الشعبية في القرار الاقتصادي. إن بنية الاقتصاد السعودي، رغم الوعود المتكررة بالتنويع، وإدعاءات رؤية ٢٠٣٠ ما تزال رهينة الريع النفطي، تُدار بعقلية فوقية، وتُستثمر سياسيا لا تنمويا.

وعلى الرغم من هذا المشهد المكشوف من التبعية السياسية والانحدار الأخلاقي، لا يزال النظام يُروّج لنفسه بوصفه "منفتحا"، و"مصلحا"، و"حداثيا"، عبر خطاب تضليلي يعتمد تدوير المفردات الحقوقية لتسويغ بقاء السلطوية. فيُسوّق "تحديث القوانين" كإنجاز، بينما تُسنّ التشريعات لتكريس القمع لا لرفعه؛ ويُرفع شعار "تمكين المرأة"، فيما تُختزل قضاياها في مبادرات فوقية تحت وصاية السلطة، بينما تُقصى وتُعاقب الأصوات النسوية المستقلة التي خاضت نضالا حقيقيا من أجل هذه الحقوق. أما الإعلام، فمؤمم بالكامل، يخضع لمقص الرقيب وإملاءات المركز؛ والقضاء لا يتمتع بأي قدر من الاستقلالية، بل يعمل امتدادا للإرادة السياسية العليا؛ والأجهزة الأمنية تتحكّم في مفاصل الحياة اليومية، تُدير المجتمع بمنطق الشكّ، وتعيد تشكيل السلوك الجماعي وفق معادلات الطاعة والخوف. فنحن إزاء استبداد قروسطي وإن غُلّف بالزخرف، بحيث يُنزع من "المواطن" ليس فقط حقه في المشاركة السياسية، بل حتى حسّه بغيابها.

إن ما يُقدّم للعالم بوصفه "شعبٌ مستقر شعوريا"، هو في حقيقته شعبٌ صودر منه الحق في تقرير مصيره والسيادة على ثرواته ومقدراته. إن الصمت ليس دليل رضى، كما أن الهدوء ليس دوما علامة قبول بمجمل الأوضاع. الشعوب لا تفقد حساسيتها تجاه الظلم إلا عندما يُفرض عليها السكوت طويلا، ويُعاقب فيها كل من يعبّر، ويُكرَّس فيها الخوف كثقافة وطنية. حينها، لا يعود الاستقرار النفسي سوى نتيجة هندسة سياسية دقيقة لتدجين المجتمع، لا لتمكينه من حقه في الحياة بكرامة.

باطلٌ هو تقرير "جالوب للمشاعر"، ودجلٌ هو ما نشره الإعلام السعودي حول التوازن النفسي المستقر ل"السعوديين"!

آخر الاخبار