الاستقبال:
الذي حظي به أبو محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة، الذي منح نفسه صفة رئيس الجمهورية السورية، في مملكة ال سعود، كما لاحظتم وتابعتم، كان لافتاً ومميزاً، اذ بعث ابن سلمان للجولاني طائرة ملكية خاصة نقلته من دمشق الى السعودية، وفرش له السجاد الأحمر واستقبله استقبالاً حافلاً، استقبله استقبال الملوك والرؤساء ذوي المكانة المرموقة، وفتح له باب الكعبة!! وضاعف له من مراسيم الترحاب والاحتضان لدرجة أن مشاهد الاستقبال أثارت الكثير من التساؤلات لدى بعض المراقبين والمحللين، حول الأسباب الكامنة وراء تبدل الموقف السعودي من الجولاني صاحب التاريخ الإرهابي العريق، لأنه بالأمس كان النظام السعودي، قد انفتح على بشار الأسد واستدعاه لحضور القمة العربية الإسلامية حول غزة، صحيح إن السعودية كانت من المساهمين الأساسيين الى جانب قطر في دعم الجماعات التكفيرية التي دفعت بها أمريكا عبر تلك الأنظمة العربية لأسقاط نظام الأسد في عام 2011 واستمر الدعم باعتراف رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم ال ثاني لعقد من الزمان!!
فإلى ما قبل سقوط بشار الأسد كان الإعلام السعودي يصف الجولاني بالإرهابي والمتطرف، ويصف منظمته التي سمت نفسها بعد القاعدة بجبهة النصرة ومن ثم بهيئة تحرير الشام، بالمنظمة الإرهابية، وتذكرّ بتاريخه الدموي، وبإشرافه على تفجير السيارات المفخخة التي حصدت الآلاف من أرواح العراقيين والسوريين سواء، خدمة لأمريكا والصهاينة!
قبل أشهر فقط كانت وسائل الإعلام المقربة من النظام السعودي تحذر من سيطرة الجماعات المسلحة على الحكم في سوريا، وتعتبر إن وجود الجولاني على رأس السلطة خطر على الاستقرار في المنطقة، لكن مع سقوط الأسد سارعت السعودية الى تبديل موقفها، ورفعت علم الجماعات المسلحة في سفارتها في دمشق، واستقبلت الإرهابي الجولاني بالأحضان وفتحت له كل قصور الضيافة!!
وتحول الخطاب الإعلامي الى الاحتفاء به، وتصوريه كرجل المرحلة الذي سيسجل التاريخ اسمه بأحرف من ذهب!!
ماذا يعني هذا التحول المفاجئ في الموقف السعودي إزاء الجولاني خاصة وإزاء التطورات الأخيرة في سوريا؟ ولمعرفة دوافع وأسباب هذا التغيير نشير الى ما يلي:
1ـ إن الاندفاع السعودي لاحتضان الشرع وزمرته الإرهابية يأتي في إطار التهافت العربي الخليجي نحو الجولاني بعيد دعوة الرئيس الأمريكي زعماء هذه الدول للمسارعة في احتضانه وعدم تركه لتركيا تستأثر به لوحدها خوفاً من انعكاسات ذلك على الأمن الصهاينة فيما يخص مستقبل الأكراد في المشروع الصهيوني الأمريكي، فكل زعماء العرب يتسابقون فيما بينهم للفوز في تلبية أوامر ترامب بالرغم من أن بعضها لديه تحفظات على قيادة الجولاني صاحب التاريخ الإرهابي، وتتلطى وراء الشعارات الإسلامية وعروبية، فالإمارات مثلاً التي لديها مثل هذه التحفظات أكثر من السعودية على الجولاني للاعتبارات المشار إليها وترددت كثيراً في اتخاذ موقف مؤيد تجاهها، هرعت بعد دعوة ترامب وهرولت نحو الجولاني، استقبلت وزير خارجيته اسعد الشيباني، كما هاتف ابن زايد الجولاني، وهنأه، ونسي كل ماضيه الإرهابي وانتمائه الاخواني، معلناً أي ابن زايد دعمه لسلطته في سوريا، فالعملية تسابق بالدرجة الأولى لأرضا سيدهم الأمريكي وابداء مراسم الولاء والطاعة لهذا السيد!!
2ـ رغم إن أمريكا كانت قد سجنت الجولاني في سجونها في العراق، ومن ثم رصدت مكافئة بعشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه ، بعد الافراج عنه من السجن وانخراطه في تنظيم القاعدة، ومن ثم في تنظيم داعش، وأخيرا تأسيسه لجبهة النصرة، وفيها أسس هيئة تحرير الشام، التي تحكم دمشق الآن...
نقول إن رغم هذه الجائزة المرصودة ورغم وصمه واتهامه بممارسة الإرهاب، ورغم إن الإدارة الأمريكية تدعي ملاحقته بهذه التهم، رغم كل ذلك، إلا أنها طلبت من الزعماء الخلايجة وبقية الاعراب احتضان الجولاني واضفاء المشروعية العربية عليه، للتعجيل في عملية تأهيله وحمايته وحماية نظامه من السقوط، ومساعدته في تعزيز سلطته وقبضته على الأوضاع السورية، لأن أمريكا وحتى الصهاينة في عجلة من أمرهما لتمرير بعض مخططاتهما ومشاريعهما الخاصة بسوريا ولبنان والمنطقة أيضا من خلاله!! وذلك ما يكشف بوضوح النفاق والكذب والزيف الأمريكي والتبعية العربية بمحاربة الإرهاب، فالجولاني وأمثاله من مجرمي القاعدة وداعش و...و.... فهم رجالها ينفذون لها ما تريد بمحاربة خصوم أمريكا من الشعوب المسلمة والمستضعفة، ولكنها تدعي بنفس الوقت إعلان الحرب عليهم وترصد جوائز مالية ضخمة للقبض عليهم، وحتى يمكن أن تقوم بقتلهم وقصفهم إن استدعى الأمر لإخفاء الأسرار وطمرها أو لأن مصرفهم قد انتهى، فهذه الحرب تأتي في إطار لعبة التخلص من عبيء جرائمهم وعدم تحمل مسؤوليتها عنها قانونياً وإعلاميا فيما الجرائم تصب في المصلحة الأمريكية 100% لأنها تقترف من قبل هؤلاء الإرهابيين بأوامر أمريكية وبتوجيهها وتخطيطها وحتى بأسلحتها! والأمثلة على ذلك كثيرة جداً!!
3ـ أيضا وبإشارة أمريكية، تحركت السعودية بدافع لعب دور إقليمي بارز في سوريا بعد انحسار النفوذ الإيراني بسقوط نظام الأسد، وبعد التحرك التركي المتحمس للحلول مكان النفوذ الإيراني في سوريا، بل والتنافس القطري في هذا المجال، فقطر هي الأخرى تريد أن تقوم بدور بارز في سوريا كظل للحضور التركي، انطلاقاً من الحلف الأخواني الذي يجمعها مع تركيا وانطلاقا من رعايتهما لتنظيم الاخوان، ولذلك كان أمير قطر تميم بن موزة، أول رئيس دولة يحل ضيفا على الجولاني، ولكن النظام السعودي يرى نفسه أنه الأكثر تأهيلاً للعب الدور الإقليمي المميز نيابة عن واشنطن، او في إطار مشاريعها في المنطقة، نظراً لثقلها المالي والنفطي ولموقعها الإسلامي بين المسلمين السنة لاحتضان الحرمين، وانطلاقاً من هذا الموقع فالقيادة السعودية تعتقد إنها تتمكن من المساهمة الفعالة في عملية رسم المشهد السوري بالشكل الذي ينسجم مع دورها الإقليمي ومع مصالحها ومصالح اسيادها الامريكان والصهاينة!!
4ـ محاولة النظام السعودي قطع الطريق على تحويل سوريا الى ظل وخيمة لرعاية وإيواء لجماعة الاخوان المسلمين، وهو الذي يتحسس كثيراً من هذه الجماعة لأنها المنافس الجدي للإسلام السعودي، ولذلك فهي تزج بكوادرها لديها في سجونها، كما أنها عادت نظام محمد مرسي الاخواني في مصر وساهمت حتى بأسقاطه بدعم الجيش المصري ومباركة ثورته! ولأن النظام التركي الأوردغاني نشأ من رحم هذه الجماعة وإن اختلفت ايديولوجيته عن أيديولوجية الحركة كثيراً، ثم لأن قطر تتعاطف مع هذه الجماعة فيمكن في ظل الهيمنة التركية القطرية على المشهد السوري إن يشكل مناخاً ملائماً لنمو واستفحال وضع الجماعة مجدداً، وبالتالي يكون ذلك خطراً تستشعره القيادة السعودية عليها وحتى على شرعية إسلامها!
من منطلق هذا الشعور بالخطر تحركت السعودية لقطع الطريق كما قلنا، وللتحرك سريعاً لرسم المشهد السوري عبر احتضان الجولاني وجماعته لإبعادهم عن المناخ الاخواني، سيما وأنه الأقرب ايديولوجياً الى مناخ القاعدة وداعش، أي الفكر الوهابي.
5ـ والأهم من ذلك كله يقول البعض، إن الذي يستدعي الانخراط السعودي بل وحتى الاماراتي، في المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد، هو للحد من النفوذ التركي ومن ثم الحد من أحلام تركيا العثمانية الجديدة، التي باتت تخيف النظام السعودي وتزيد من قلقه، كما بقية الأنظمة الخليجية باستثناء قطر حليفة تركيا... وذلك لأن اردوغان ما أنفك يكرر مقولاته حول ان محافظة حلب كانت جزءاً من الدولة العثمانية، وإن امتدادات الأخيرة تشمل السعودية وتلك المنطقة برمتها!! أي منطقة الخليج التي تضم الدول الخليجية.
هذا من ناحية الاطماع التاريخية التركية في سوريا والمنطقة، أما من ناحية الأبعاد الاستراتيجية فهي كثيرة جداً، فتركيا تريد الاستحواذ على النفط والغاز السوري وتجعلها أي سوريا ـ محطة لنقل الغاز السوري والخليجي الى أوروبا وبالتالي تقليل اعتمادها على الغاز والنفط الروسي، كما تريدها قاعدة عسكرية متقدمة للقضاء على طموحات الأكراد في إقامة دولة لهم في المناطق الكردية في تركيا وسوريا والعراق، وضمان السيطرة على منابع دجلة والفرات... كما إن الاتراك يريدون سوريا ومن خلال سيطرة الجماعات الإرهابية على الحكم، قاعدة وجبهة متقدمة للسيطرة على كل المنطقة وإعادة أمجاد إمبراطورتيهم البائدة، وذلك من خلال إدارة انتاج نظام على شاكلة النظام التركي، الذي جوهره علماني تابع للغرب وظاهره إسلامي، ليكون نموذجاً للدول العربية التي تحتضن حركة الاخوان مثل مصر... أما من الناحية العسكرية فتركيا تحتل المناطق السورية المحاذية للحدود وبعمق أكثر من 30 كم وعلى طول الحدود البالغة مئات الكيلومترات، وحسب ما ترشح من تصريحات اردوغان والمسؤولين الاتراك خلال زيارة الجولاني لتركيا فأن الاتراك يريدون توسيع تواجدهم العسكري في سوريا كما وضعوا حجر الأساس لأقامه وإنشاء قاعدتين عسكريتين آخريين في الصحراء السورية الفاصلة بين الحدود العراقية ـ السورية، والعمق السوري لمراقبة وضرب الأكراد وكل هذه الأمور وغيرها تجري على قدم وساق، ولم ينقص تركيا سوى الأموال وإسباغ المشروعية على الجماعات الإرهابية التي استولت على حكم سوريا بمساعدة ودعم الاتراك وتواطئ الجيش السوري، بكافة جنرالاته وضباطه!! ولذلك سمح الاتراك للجولاني بالتحرك عربياً للحصول على الأموال والمشروعية، وذلك ما تجسد في الزيارات واللقاءات المتبادلة بين حكام سوريا الجدد ودول الخليج العربية ذلك في الوقت الذي تتعزز فيه القبضة التركية الأمنية والعسكرية على كل مفاصل النظام السوري الجديد، ما يجعل المنافسة السعودية منافسة صعبة جداً وحتماً ستكون الغلبة للأتراك اذا ظلت الأمور على الحال الحاضر ولم تتدخل اطراف أخرى تنغص على الاتراك وتعكر صفو فرحتهم وبهجتهم في سوريا، وهو ما يراه مراقبون قريب وليس ببعيد لتعقيدات الوضع الإقليمي والدولي وانعدام الاستقرار في المنطقة.