بقلم: فيصل التويجري
لطالما كرر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عبر لسان مسؤولين في عهده، تعهده بعدم السماح للرئيس السوري بشار الأسد بلعب أي دور في مستقبل سوريا، سوءاً تم ذلك سلمياً أو باستخدام السلاح.
تغيرت الظروف، فتغير الأمر من الحديث عن الدور الى الحديث عن شروط لدفع الأموال من أجل إعادة الاعمار. آخر ما أكدته الرياض أنها لن تدفع أي أموال لسوريا الا في إطار تسوية سياسية وبما يضمن عدم استفادة إيران أو أي قوات موالية لها من تلك الأموال. تلاشى هذان الشرطان أيضاً، بحسب آخر التزام سعودي في هذا الصدد وقبلت الرياض بالدفع دون ذكرهما، بل انها أيضاً حرمت من حقها في الإعلان عن هذا الالتزام، بل تكفل بذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي قال إن السعودية وافقت على تمويل إعادة إعمار سوريا بدلاً من بلاده، وأضاف أنه من الجيد أن تساعد "دول فاحشة الثراء جيرانَها".
اعلان ترامب عن المواقف السعودية طرح تساؤلات عديدة، من بينها هل الأمر مستجاب أم هناك شروط جديدة جعلت السعودية توافق على الدفع نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية لاعادة اعمار سوريا، كعادته أعلن دونالد ترامب، وليس السعودية، الخبر المثير للتساؤلات في تغريدة عبر حسابه في تويتر، وبحسب محللين أن الأخير جمع في أسلوبه بين " الأمر" و" التهكم المبطن". وقال "اترون أليس من الجيد أن تقوم الدول الفاحشة الثراء بالمساعدة في إعادة اعمار جيرانها بدلا من دولة عظمى كالولايات المتحدة التي تبعد 8 آلاف كلم. شكراً للسعودية".
وهنا يطرح محللون تساؤلات أخرى، فعلى ماذا اعتمد الرئيس الأمريكي لجعل السعودية تدفع فتورته في إعادة اعمار بلد لم تتحقق شروط التسويات التي طالبت السعودية سابقاً باحترامها قبل انفاق دولار واحد في أي مشروع. فما الذي بدل المواقف الى هذه الدرجة؟ وبحسب محللين فان ما قاله ترامب بشأن الإعمار جاء لتغطية انسحابه ولمواجهة الانتقادات الداخلية لقراره، وكأنه يقول للأميركيين المعارضين للانسحاب: نحن انسحبنا عسكريا ولكننا باقون في الساحة من بوابة الإعمار الذي ستموله السعودية، وهو لا يعبأ بمكانة الرياض لأنه يفكر بعقلية التاجر الذي يبتز الآخر ولا يعترف بمكانة الحليف. ويضيف محللون أن مشروع الإعمار ليس خاصا بالسعودية وإنما هي ستتولاه بالنيابة عن أميركا، خاصة أن إدانة بن سلمان بملف اغتيال خاشقجي لا تسمح له الآن بأن يقول "لا" لطلبات ترامب، والرياض لن تعبأ بمن يحكم سوريا إذا نجا بن سلمان وبقي في الحكم، كما أن السعوديين لن يتحدثوا علنا عن مسألة الدفع لإعمار سوريا لأن ترامب اتصل بهم ووافقوا ولا يمكنهم تكذيبه.
وبحسب اقتصاديين، فان إعادة اعمار سوريا مكلفة جدا، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة فان نسبة 45% فقط من العملية تبلغ بما لا يقل عن مبلغ 400 مليار دولار. وفي حسابات السياسة، هناك مشكلات أيضاً وأمور غير محسومة، وخاصة حول كيفية تعامل الرياض مع النظام السوري حليف إيران التي تعتبرها الرياض العدو اللدود للعائلة الحاكمة في السعودية. كما أن طهران أعلنت في السابق أنها ستشارك عبر شركات القطاع الخاص في مشاريع إعادة اعمار سوريا. ومما تقدم، يطرح سؤال جديد نفسه، هل قرر الرئيس الأمريكي النأي بنفسه بعد أن أدرك أن شرط خروج القوات الأجنبية وخصوصاً المقربة من سوريا غير قابل للتحقيق بعد 7 سنوات من الحرب والتدخلات؟
هذا الشرط أعد عليه الملك سلمان فيما سبق، مقابل المساهمة في تمويل إعادة الاعمار، وكان ذلك خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العام الماضي في موسكو، ويبدو أن العام الحالي، وبالرغم من كل الأزمات التي عصفت بالمملكة داخلياً وخارجياً جعل ما كان مستحيلاً في قاموس الدبلوماسية السعودية أمراً مقضياً.
كم ومتى ستدفع الرياض عن واشنطن؟ مسألة وقت ربما وتعرف التفاصيل، أما تفاصيل الصفقات التي تتم هذه الأيام وبوتيرة متسارعة في الملف السوري فيبدو أنها تعد في سقوط الكثير من المواقف التي عمرت تقريبا 7 سنوات، حيث ستخرج القوات الأمريكية من الشمال السوري، وتدخل تركيا بمباركة واشنطن، وتدفع السعودية برضاها أو مكرهة بإعادة اعمار سوريا باشراف النظام السوري حليف عدواها إيران بدلاً من الولايات المتحدة!