تعيش المملكة العربية السعودية في الوقت الراهن حالة من الغليان المكبوت والذي يمكن اشتمام رائحته من خلال الكثير من الملفات الساخنة التي كان بطلها هذا العام محمد بن سلمان والذي أدخل البلاد في مرحلة تاريخية جديدة من خلال القرارات التي اتخذها والتي جاءت مختلفة عن سياسة المملكة التقليدية، لينتهي العام الحالي بمحاولات حثيثة من ابيه سلمان لانقاذ ما يمكن انقاذه قبل الدخول بعام جديد وعجز جديد، لذلك أقر العاهل السعودي ما اسماه أكبر ميزانية في تاريخ المملكة 1.106 تريليون ريال، (295 مليار دولار) والتي تهدف حسب ما يزعم إلى دعم النمو الاقتصادي في المملكة، ورفع كفاءة الإنفاق وتحقيق الاستدامة والاستقرار المالي، ضمن أهداف رؤية المملكة 2030.
الأهداف المعلنة من الميزانية جيدة جداً ولكن هل ستكون على شاكلة سابقتها كما قال رجل الأعمال عبد العزيز العجلان من شركة أبناء محمد السعد العجلان ، إنه رغم الإعلان الحكومي أن نسبة النمو خلال العام 2018، كانت 2.3 بالمائة إلا أن هذا ما نسمعه الآن داخل القاعة فقط ، ولكن عندما نذهب إلى الواقع، نجد أن المحلات الآن في الشوارع الرئيسية، كلها للإيجار، والشقق التي يمتلكها متوسطو الدخل، باتت معدودة. كلام العجلان جاء في مداخلة له في المؤتمر الذي عقده وزير المالية ووزير التخطيط ومحافظ مؤسسة النقد عن إعلان ميزانية عام 2019.
التغيير قادم
الأخطاء التي ارتكبها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أثرت بشكل مباشر على العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجد الأمير الشاب "اكبردجاجة يمكن ان تبيض ذهب" إلا أن أمريكا دولة مؤسسات ولايمكن ان يتصرف ترامب بشكل فردي ويتخذ القرارات التي يريدها دون العودة إلى هذه المؤسسات وقد رأينا الاحراج الذي تعرض له ترامب أمام الرأي العام الأمريكي في قضية خاشقجي والحرب اليمنية، فبينما كان يدافع ترامب عن ابن سلمان دفاعا شرسا ويحاول التغطية على ما حصل بدأ مجلس الشيوخ والكونغرس يتحرك ليتخذ قرارات ضد ابن سلمان في الـ13 من ديسمبر تحدى من خلالها الرئيس ترامب، ومرر مشروع قرار يدعو إلى إنهاء الدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة للسعودية في الحرب الدائرة باليمن، كما حمّل أعضاء المجلس ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المسؤولية عن مقتل الصحفي جمال خاشقجي.
وتعكس هذه الخطوة حالة الغضب في الكونغرس من طريقة تعامل ترامب مع قضية قتل خاشقجي والصراع اليمني، وهذه كانت أول مرة يوافق أحد مجلسي الكونغرس على سحب القوات الأمريكية من صراع عسكري بموجب قانون صلاحيات الحرب الذي صدر عام 1973.
هذا الكلام يوضح ان العلاقات الأمريكية_السعودية تعرضت لضربة قوية لم نشهدها منذ عقود، ورغم العلاقة الحميمة بين ابن سلمان والرئيس الامريكي وصهره ترامب لن يستطيع البيت الابيض الحفاظ على العلاقة مع المملكة كسابق عهدها في ظل تواجد ولي العهد محمد بن سلمان وقد تدرس واشنطن خيارات جديدة تجاه هذا الأمر، خاصة بعد ان تشوهت صورة الامير الشاب في شتى أصقاع الأرض وكانت قمة "20G" كفيلة بإيصال ما نتحدث عنه.
يضاف إلى ما سبق ان الرئيس الامريكي على خلاف واضح مع ولي العهد تجاه سعر النفط، فالأول يريد خفضه والثاني يبحث عن زيادة السعر لكون المملكة ترتكز بشكل اساسي على هذا المورد لزيادة ميزانيتها، ولكن ما يعقد المسألة اكثر ويجعل موقف الولايات المتحدة الأمريكي أقوى من أي وقت مضى هو أن واشنطن لم تعد بحاجة الرياض كما كان الوضع من قبل، حيث أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط مع وجود احتياطي كبيرللنفط والغاز الصخري، حتى أنها شرعت بتصدير منتجاتها إلى أوروبا.
مما تقدم يمكن القول أن اتفاق كوينسي الذي تم التوصل إليه في 14 فبراير 1945 على متن طراد يو أس أس كوينسي (CA-71) في قناة السويس، وذلك بين الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت العائد من مؤتمر يالطا. كان من المقرر أن يدوم هذا الاتفاق 60 سنة، وتم تجديد محتوى اتفاقياته لنفس المدة في 2005 من قبل الرئيس جورج دبليو بوش. أهم ما جاء في هذا الاتفاق هو توفير الولايات المتحدة الحماية اللا مشروطة لعائلة آل سعود الحاكمة، مقابل ضمان السعودية لإمدادات الطاقة التي تستحقها الولايات المتحدة، ولكن يبدو ان هذا الاتفاق لن يتجدد مرة أخرى في ظل الظروف الحالية لسوق النفط والمكانة الجديدة التي حظيت بها واشنطن في هذا السوق، لذلك يجب ألا نستغرب أن يحصل تغيير حقيقي في المملكة في الأشهر المقبلة ولكن لصالح من ستكون؟.