لطالما لعبت السعودية وأمريكا وإسرائيل دورا كبيراً في تحريض المجتمعات العربية على بعضها واشعال فتيل الفتن خدمة لسياساتها التدميرية، كما حدث في سوريا ويحدث اليوم في لبنان. كما إن عداء السعودية الصارخ لأعضاء محور المقاوم ضد الصهيونية لم يعد سراً على أحد، فمنذ نشأت المقاومة في لبنان، وسياسات الرياض تجاه بيروت هي ذاتها محاصرة المقاومة وبيئتها.
حتى سنوات قليلة مضت، كانت الحريرية السياسية وحلفائهم من 14 آذار الدعائم الأساسية للسياسة السعودية في لبنان، وهذا انعكس وينعكس في موقف هذه الأحزاب حول المقاومة ضد اسرائيل حتى هذا اليوم. الا أن المملكة، قررت فجأة أن تتدخل بنفسها عام 2017 عبر الاستغناء عن حلفائها الرئيسيين فقامت بخطف رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري في عام 2017 وضربه وشتمه واعتقال عائلته في الرياض .
أدرك السعوديون وحليفهم الأمريكي منذ سنوات أن شعبية حزب الله ونفوذه في لبنان وبين اللبنانيين لا يمكن القضاء عليه بسهولة، وأن سعد الحريري لا يستطيع إخراج المقاومة وحلفائها من المشهد السياسي اللبناني؛ وبما أن الحريري فشل في إرضاء رغبات السعودية بعد تعيينه لتشكيل الحكومة في لبنان منذ 9 أشهر، دفعته مرة جديدة الى الاستقالة.
شكلت الأزمة السياسية في لبنان التحدي الأكبر الذي يواجه البلاد على مدى السنوات الثلاث الماضية، بعد احتجاجات أكتوبر 2019 واستقالة سعد الحريري من رئاسة الوزراء، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة المعيشة والأزمة الاقتصادية. الرياض تدرك جيداً نقاط الضعف في لبنان وحاولت عبر السنين تنفيذ خططها المناهضة للمقاومة من خلال المشاركة في المشروع الأميركي لتأجيج الأزمة اللبنانية.
كما أن عجز المسؤولين اللبنانيين عن تشكيل الحكومة واعتمادهم المفرط على عناصر أجنبية في هذا الصدد كان بمثابة نقطة إيجابية للسعوديين الذين منعوا، من خلال التأثير على بعض الأحزاب اللبنانية المحلية، تشكيل حكومة في البلاد. وايهام اللبنانيين أن المقاومة وفريق الرئيس اللبناني السبب الرئيسي في تصعيد الأزمات وعرقلة تشكيل الحكومة.
كلنا يعلم كيف تعاملت الرياض مع سعد الحريري، وهي اليوم تقوم بذلك مع الرئيس المكلف الجديد، نجيب ميقاتي، فكما حذرت سعد الحريري مرارًا عبر وسطاء خلال فترة ولايته من عدم موافقتها على تعيينه رئيسًا للوزراء في لبنان، وبعد اعتذار الحريري وانتخاب نجيب ميقاتي رئيسًا للوزراء في حكومة تصريف الأعمال، اتخذت موقف الصمت واللامبالاة في البداية كما الولايات المتحدة، الا أنها اطلت منذ أيام عبر سفيرها في لبنان، وليد البخاري، قائلة أنها تعارض تشكيل حكومة تضم ممثلين عن حزب الله وهذا كان بمثابة تحذير لميقاتي.
هذا التصريح أتى بعد الجو الإيجابي الذي كانت تعلن عنه رئاسة الجمهورية اللبنانية حول تشكيل الحكومة، وهنا يرى مراقبون أنه اتى ليهدم هذا الجو الإيجابي ويعيد اللبنانيين الى نقطة الصفر. ليأتي خبر أمس برفع الدعم، الذي قام به حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، رجل أمريكا والسعودية الأول في لبنان. والهدف من هذا القرار ليس أقل من تفجير البلد وهو قرار قاتل، ولنسف الجو الإيجابي بين رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الحكومة المكلف.
على أي حال، فإن قضية تشكيل الحكومة اللبنانية لم تنته بعد، والتدخلات السعودية الغامضة في هذا الصدد مستمرة. ساعد الله اللبنانيين الذين باتوا اليوم لا حول لهم ولا قوة أمام هذا الضغط السعودي الأمريكي الذي لا نظير له في كل التاريخ.