لم يكن اسبوعا عاديا لولي العهد السعودي محمد بن سلمان المتهم بشكل مباشر بقضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، اذ انتشله الغرب من وسط الجحيم ونظفوا له عباءته من الدماء ومنحوه عباءة جديدة تلألأت به في قمة العشرين التي عقدت مطلع الأسبوع الحالي.
ابن سلمان الذي كان مكروها على الساحة الدولية حظى باستقبال مبالغ به في اجتماعات ولقاءات قمة العشرين التي عقدت في اليابان، واينما ذهب تجد الابتسامات الترحيبية تنطلق نحوه وكأنه انتصر للغرب الذي يدعي الديمقراطية وحماية حرية الرأي من خلال مقتل خاشقجي.
بين القمتين ما الذي تغير؟
في قمة العشرين العام الماضي حضر ابن سلمان القمة وكان تائها منبوذا منعزلا، حتى أن دونالد ترامب حينها حاول عدم الظهور كداعم قوي لابن سلمان وكان الجميع ينظر إلى ولي العهد على أنه متهم بجريمة "قتل" وأثر هذا الأمر على سياسية السعودية الخارجية ولم يكن بشارة خير لولي العهد الطامح للوصول إلى كرسي العرش بحماية المجتمعين حينها.
هذا المشهد لم يبق على حاله هذا العام، اذ ظهر ابن سلمان على انه نجم هوليودي يتصدر مشهد قمة العشرين في أوساكا اليابانية، وظهر هذا الأمر من خلال الاستقبال ومن خلال اللقاءات الجانبية التي عقدها ابن سلمان مع رؤساء الدول الكبرى في أميركا والصين وروسيا واليابان ودول أوروبا وغيرها وسط اهتمام إعلامي مسبوق.
هل أموال المملكة هي سبب كل هذا الترحيب بولي العهد؟
نعم ولا نغالي اذا قلنا هذا، حيث أشاد رئيس قمة العشرين شينزو آبي بجهود السعودية للحد من اعتمادها على النفط، وقال آبي لابن سلمان في بداية اجتماع ثنائي بعد اجتماع قمة مجموعة العشرين في مدينة أوساكا إن "رؤية السعودية 2030 عملية إصلاح رئيسية غير مسبوقة تهدف إلى وقف الاعتماد على النفط وإلى تنويع الصناعة وفقا لمبادرة جلالتكم".
اليابانيون يهتمون بولي العهد لكونه يوفر لهم القسم الأكبر من حاجاتهم من الطاقة والنفط، وبالتالي اليابان التي تعتمد على الشرق الأوسط لتأمين مصادر طاقتها تجد أن التقرب من ابن سلمان هو الحل الأفضل مع توتر العلاقات الأمريكية-الايرانية ومعاقبة واشنطن لكل من يستورد النفط الايراني.
كوريا الجنوبية كان لها حصة الأسد من قمة العشرين، حيث وقعت 10 مذكرات تفاهم تصل قيمتها 8.3 مليار دولار، ونظم الرئيس الكوري الجنوبي "مون جاي إن" حفل غداء في قصره حضره كبار رجال الأعمال في البلد.
ونحن نعتقد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو من يدير عملية "اعادة الاعتبار" إلى ولي العهد، حيث تجاهل خلال قمة العشرين أسئلة الصحفيين حول تورط ابن سلمان بمقتل خاشقجي، فبعد إلحاح الإعلاميين قال الرئيس الأميركي إنه لا يمكن للقضاء أن يبني على اشاعات الرأي العام لأنه لا يستند إلا إلى ادلة دامغة، وهذه، حسب رأيه، لا تؤدي إلى اتهام ابن سلمان الذي يحاكم 13 متهماً قاموا بالجريمة من دون معرفته.
وبحسب تقرير "واشنطن بوست"، فإن ترامب، الذي يكره توجيه النقد للديكتاتوريين، بدا مرتاحا لوجود ابن سلمان، فربت على كتفه وهما يسيران معا، وعندما جلسا معا لتناول الإفطار يوم السبت مدح ترامب ولي العهد واصفا إياه بأنه "صديق"، وأثنى على خطواته في انفتاح المملكة وتوسيع نطاق "الحرية للمرأة".
معايير الصداقة بالنسبة لترامب والغرب وحتى معايير "الديمقراطية" و"حرية المرأة والتعبير" لا علاقة لها بالمعايير الدولية أو بقوانين وانظمة بل هي مرتبطة بشكل مباشر بـ"الدولار" ومن يدفع أكثر، وبما أن الغرب ينظر إلى ابن سلمان على انه بنك متنقل لذلك سيكون بنظرهم هو "رمز الحرية والديمقراطية" وهذا ليس جديدا على الغرب، فقد رأينا ديقراطيتهم في فيتنام والعراق وافريقيا والهند وغيرها من دول العالم.
الغرب لم يعد يستخدم طرقه السابقة في الاستعمار بل بدأ ينتهج طرق جديدة عمادها "الحرب بالوكالة" وتقديم الدعم لمن يقاتل باسمهم، ومن أفضل من "ابن سلمان" لهذه المهمة، ومن أفضل منه يشتري كل هذه الكمية من الأسلحة ويوفر آلاف الوظائف لأبناء الغرب وأبناء المملكة يعانون من البطالة.
إن كان ابن سلمان متهم بمقتل خاشقجي فإن الغرب هو "السبب"، لأن مساهمتهم في تغييب "القانون الدولي" ستجعلنا نشهد جرائم افظع من هذه التي نراها هذه الأيام.